المصهر الضائع

الجمعة 2016/09/16

لا شك أن المثاقفة ظاهرة صحية وضرورية حيث أن جميع الحضارات ذات الامتداد العالمي هي نتاج للهجنة الثقافية والفكرية والفنية والروحية، ولكنّ هناك فرقا شاسعا بين هذا النوع الجميل من التوجه الحضاري وبين النقل الحرفي والنمطي للنظريات والمفاهيم والمصطلحات التي أبدعتها ولا تزال تبدعها الثقافات الأخرى. إن مثل هذا النقل يتناقض جذريا مع فكرتي الغرس والتأصيل اللتين تفترضان إعمال الفكر النقدي والبحث العميق لبناء التركيبة المبدعة على أساس هذه المثاقفة. لقد برهن البروفيسور مارتن برنال في كتابه الشهير “أثينا السوداء” أن العناصر المكونة للحضارة الإغريقية متعددة المشارب منها المؤثرات الأفريقية الآسيوية الكبرى، ولكن هذه العناصر والمؤثرات قد صهرتها الذات الإغريقية المبدعة وشكلتها في إطار هويتها، وهذا المصهر هو ما ضيعناه مع الأسف في مشهد ثقافتنا راهنا.

يلاحظ قارئ المتن النقدي العربي، الذي يدرّس في جامعاتنا في هذه الأيام في حقول الأدب والفلسفة والفكر والفن، هيمنة ظاهرة الهشاشة النظرية فيه، إن لم نقل الغياب شبه الكامل للتأسيس النظري المتفرد والمبتكر. في مثل هذا المناخ فإن الذي نجده سائدا هو بعض المحاولات التي يكتفي أصحابها بعرض وشرح النظريات والمفاهيم التي تنتج في الفضاء الثقافي والفكري والعلمي الغربي بشكل خاص جدا، أو بإسقاطها كما هي على الإنتاج الثقافي العربي. وهكذا نرى السجال محتدما إلى حدّ الشجار بين دارسي الأدب والفن والفكر ومختلف الأشكال الثقافية في بلداننا؛ يناطحون بعضهم بعضا حول هذه النظريات أو تلك المفاهيم أو المصطلحات وكأنها ملكية خاصة بهم في الوقت الذي هي من بناء هذا الناقد الفرنسي، أو ذاك المفكر الروسي، أو ذلك الفيلسوف البريطاني وهلم جرا.

عندما نفتح، مثلا، أي كتاب دراسي في نظرية الأدب معتمد في الجامعات الغربية في وقتنا الراهن، نجد قائمة محتوياته ترتكز على النظريات المنبثقة من: “الشكلانية الروسية، والبنيوية وما بعد البنيوية، والحداثة وما بعد الحداثة، والتحليل النفسي، والماركسية والمادية الثقافية، والنسوية والنوع، والدراسات الثقافية والإثنية، والكولونيالية وما بعد الكولونيالية”، وفي الوقت ذاته نجد كل هذا مكررا و”مقرّدا ”بشكل مبتسر غالبا في مناهج وبرامج منظومتنا الجامعية ويدرس لطلابنا وطالباتنا على نحو نمطي من دون أي عمل فردي أو جماعي مثمر لتطوير هذه النظريات أو تلك المفاهيم والمصطلحات، أو إضافة شيء جديد إليها يدل على وجود المصهر الداخلي الخاص بهويتنا الفكرية والثقافية والقادر على ممارسة التحويل والتعديل والإضافة أثناء اللقاء مع الإبداع النظري الآتي من فضاءات الثقافات الأجنبية.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15