المصور البسيط

الأربعاء 2017/06/21

تدفع الروايات قارئها إلى أن يفكر بالصور، وأن يستدعي في كل تفاصيل حياته خيالات مقاطع وشخصيات وحوارات روائية سكنت خلايا ذهنه، لهذا لم يكن غريبا أن تستدرج الروايات موسيقيين وسينمائيين ومؤرخين ورسامين إلى عوالمها الواقعية والمتخيلة، وأن تمنحهم فرص التحدي الخالب للأذهان في تحويل التماعات اللغة السردية إلى هيئات ومواقف حية تدرك عبر السمع والبصر واللمس، وما لبثت نصوص استثنائية في تاريخ الرواية أن استقطبت فنون البورتريه من الفوتوغرافيا إلى الكاريكاتير إلى صفحاتها المطبوعة.

وحين صدرت أول طبعة مصورة لرواية فلوبير “مدام بوفاري”، لم يكن اسم الفنان ألفريد دو ريشمون يفصح عن شيء مثير للانتباه، في مشهد فني فرنسي يعج بأعمال واختراقات باهرة لانطباعيين كبار كأوغوست رونوار، وبول سيزان، والفرد سيسلي، وادغار ديكاس…، بل إن رسوماته التي أثثت فصول الرواية الشهيرة اعتمدت بوصفها عملا تزيينيا عاديا في سياق إصدار طبعات فاخرة للأعمال الروائية.

وهو ما كان سائدا في أغلب المطبوعات الأدبية وغير الأدبية، منذ بدايات القرن الثامن عشر. غير أن ما حول عمل هذا الفنان إلى ظاهرة فنية شدت الانتباه، وتناولتها عشرات الدراسات النقدية، هو خروج بعض رسوماته من سياقها الروائي المتصل بالسفر المطبوع، وتحولها تدريجيا إلى أعمال فنية مستقلة بذاتها، تتناولها كتب تاريخ الفن وكاتالوغاته.

وسرعان ما صار اسم دو ريشمون متصلا بشخصية المرأة الملتبسة لـ”إيما بوفاري”، المحبة للمتع الحسية، والمتطلعة إلى تخطي وضعها الاجتماعي، فقد رسمها في كل الأوضاع المجسدة لذروة الانفعال: حين ترقص، وحين تقع في الهوى، وحين تغادر في لهوجة، وحين تنكسر، وحين تتجول في حديقة أو شارع…، هل يمكن أن نتحدث عن فنان يونع من تفاصيل الرواية؟ ربما، إنما الشيء الأكيد أن ما أنجزه هذا الرسام في مساره الفني من رسومات كنسية ولوحات عن طبيعة النورماندي ما كانت لتخلد اسمه إلا كرسام عابر.

والشيء الأكيد أن الصور المصاحبة للروايات عادة ما تقرأ بوصفها أعمالا توضيحية، بحيث تضمر حدا كبيرا من التبسيط والرهان على تحويل التجريدات الوصفية إلى ملامح حسية مدركة، تسعف في تحديد مسارات التلقي الصوري. لكنها في لحظة ما، قد تتحول إلى قاعدة لمجد فني خاص، تتجاوز نطاق الوظائف التمثيلية المحدودة للرسم التوضيحي، إلى التقاط موضوعات وتفاصيل تكتمل فيها مقومات التعبير الفني المستقل.

لهذا كم يبدو محزنا المسار المغمور للمئات من الرسامين المجهولين ممن أثثوا الآلاف من المطبوعات الروائية دون أن يوقعوا أعمالهم، تتجلى تصاويرهم التي تنخرط بشكل كلي في صياغة العمل الروائي وطبع صوره، في أذهان أغلب القراء، وكأنها إضافات شكلية بدون معنى ولا قيمة.

كاتب مغربي

15