المصور الفوتوغرافي الفرنسي باسكال هانريون مُعلقا لأجل أطفال سوريا

المصور باسكال هانريون يخاطر بنفسه احتجاجا على مأساة العصر ولتحريض وسائل الإعلام الفرنسية للخروج عن صمتها حيال ما يحصل في سوريا.
الأحد 2018/05/06
الفنان في واحدة من لحظات الخطر

يعتبر تعريض الجسد للخطر أحد أبرز العناصر التي يقوم عليها فن الأداء، كون الجسد محرك السياسات السياديّة، وتهديده بالموت، يعني زعزعة السلطة، والاحتجاج على ممارساتها، فالخطر الذي يتعرض له جسد المؤدي، لا يرتبط بالمهارة الفرديّة، والقدرة على التحمل والتفوق على الآخرين، بل بالسياق المكاني والزماني الذي يقع ضمنه، ما يجعل “المخاطرة”، انتقادا للشروط والأدوار التي ترسخها السلطة ضمن مساحة ما، للحفاظ على حياة مواطنيها.

فالأمن الجسديّ وليد مجموعة من الجهود الماديّة والرمزيّة للحفاظ على النظام القائم الذي يضمن استمرار حياة الخاضعين للسيادة كمواطنين، وتهديد “أمنهم” يعني خلخلة للفضاء العام، واستفزازا لأجهزة الدولة لتمارس دورها في الإنقاذ، وتبديد الخطر والحفاظ على التوازن، حينها يكون الصراع معها ورفض تدخلها، رفضا لسلطتها السياديّة، واستغلالا لجهودها كجزء من العمل الفني.

يمكن اعتبار المصور الفوتوغرافي الفرنسي باسكال هانريون فنان أداء ذا رسالة سياسيّة، إذ يحتج على ممارسات النظام السوري القمعيّة، ويقف إلى جانب الخوذ البيضاء في سوريا، وجهودهم للحفاظ على حياة المدنيين، إذ يرتدي قبعته البيضاء التي تحمل عبارة “ركضا لأجل أطفال سوريا”، ويقوم بتعليق نفسه من علو شاهق، كما فعل مؤخرا، حينما تسلق واجهة مركز جورج بامبديو في العاصمة الفرنسية باريس، بالتزامن مع معرض استرجاعي للفنانة الأميركية شيلا هيكس.

  ​يمكن اعتبار المصور الفوتوغرافي الفرنسي باسكال هانريون فنان أداء ذا رسالة سياسيّة، إذ يحتج على ممارسات النظام السوري القمعيّة
يمكن اعتبار المصور الفوتوغرافي الفرنسي باسكال هانريون فنان أداء ذا رسالة سياسيّة، إذ يحتج على ممارسات النظام السوري القمعيّة

نشاهد هانريون ونسمع رسالته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والبث المباشر الذي يقوم به وهو معلق من علو 40 مترا، إذ يقول إن سبب قيامه بذلك هو تحريض وسائل الإعلام الفرنسية للخروج عن صمتها حيال ما يحصل في سوريا، إذ يأتي أداؤه هذا كرد فعل على  الصور التي انتشرت لمجزرة الكيمياوي في دوما في ريف دمشق، والتي انتشرت في اليوم السابق للأداء، كما يدعو أيضا الحكومة الفرنسية إلى التحرك ضد النظام السوري وحلفائه لإيقافهم عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

يقول هانريون إنه بقي معلقا لمدة أربع ساعات، مع ذلك، لم تأت وسائل الإعلام الفرنسية، ولم تتواصل معه بالرغم من تداول رقم هاتفه، وخلال هذه الفترة، كان يمنع رجال الإطفاء ورجال الشرطة من إنزاله، ويرى أن موقفه الاحتجاجي وسيلة لتذكير الشعب السوري أنه بالرغم من القصف الوحشي الذي يتعرض له الأطفال، إلا أن معاناتهم لن تُنسى، على الأقل، لن ينساهم مواطن بسيط مثله.

من وجهة نظر فنون الأداء، يمكن اعتبار نشاط هانريون شكلا من أشكال الفن السياسي، ذاك الذي يهدف إلى خلخلة الفضاء العام، وتغير المكونات الرمزية والثقافية التي تشكله، وخصوصا أن مركز بوبميدو يعتبر من أشهر المتاحف في العالم، وأن نرى مواطنا يعلق نفسه على الواجهة الرئيسية، مهددا بالسقوط في أي لحظة، يعني انتقادا للنظام السياسي القائم، وأشكال “الفن” المسموح بها، تلك التي تدعو إلى الاستكانة وترفض التغيير.

 كما يمكن اعتبار “أداءه” أيضا، تعليقا فنيّا على الممارسات الفنيّة “الشرعيّة”، بوصفها متصالحة مع النظام السياسي، وأقرب إلى الزينة والديكور الخارجي، الذي يلمع وجه السلطة، إلا أن هانريون لا يرى أن أداءه يحمل القيم الراديكالية السابقة، إذ يصف مركز بوبميدو بأنه رمز للديمقراطية، ومساحة فنية متاحة للجميع، فلا ينفي مكان الأداء، والشروط السياسية التي تسمح بالظهور ضمنه، بل يوظف الخصائص العلنية التي يمتلكها كمساحة عامة، متصالحا معه كفضاء فني مقنن.

الجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يعلق فيها هانريون نفسه من قمة معلم فني، إذ نراه أيضا معلقا في برشلونة، تضامنا مع المتظاهرين الذين يدعون إلى تحرير السجناء السياسيين الكاتلان، وفي جنيف معلقا من أعلى تمثال الكرسي المكسور، المواجه لمبنى الأمم المتحدة هناك، ومن أعلى تمثال “الذرة” في بروكسل بوصفه رمزا تاريخيا للتعاون العلمي بين دول العالم في سبيل تطور البشرية.

14