المصيدة الروسية.. وقف النار مع بقاء الأسد

الثلاثاء 2015/12/29

بعد يوم واحد فقط على تصريح وزير الخارجية الأميركية جون كيري المثير للجدل بأن بلاده “لا تسعى إلى ما يسمّى تغيير النظام” في سوريا، تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع قرارا يدعم خطة طموحة لإنهاء الصراع في سوريا، ويضع جدولا زمنيا لعملية لا يمكن أن نطلق عليها سوى “تغيير النظام”.

كلام كيري المبهم، وليس ذلك بجديد على الوزير الأميركي، ربما جاء لاستبعاد تغيير النظام السوري بالقوة، أو الإطاحة التامة بمؤسسات الدولة. لكنه، مع ذلك، يبقى تصريحا فائضا عن الحاجة، فمنذ عامين على أقل تقدير والموقف الأميركي شديد الوضوح في هذا الصدد ويشير إلى أن إسقاط النظام السوري ممنوع تماما على المعارضة. وعليه، لا نجد تفسيرا لتصريحات كيري إلا بكونها نتاج مساومات مع موسكو وبداية حرب التلاعب بالكلمات وتدوير العبارات التي انعكست في اليوم التالي على قرار مجلس الأمن بشأن سوريا.

القرار الطموح وغير المسبوق ثبت كل من الجدول الزمني للحل واقترح وقف إطلاق النار الواردين في مؤتمر فيينا. ستة أشهر لتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات تشكل أول بشائر “تغيير النظام” في حال حدثت، ومن ثم 18 شهرا لإعداد دستور جديد من المتوقع أن لا يركز السلطات بيد الرئيس القادم ويوسع من صلاحيات البرلمان، ليؤكد أن أفضل توصيف لما يجري هو “تغيير النظام”.

ينطلق التحليل أعلاه من القراءة الحرفية لقرار مجلس الأمن، وهي قراءة تفاؤلية وطموحة تماما كما هو القرار. لكن للواقع تعرّجات ومآلاتٍ متعددة، لا توافق النصوص بالضرورة، بل قد تعاكسها في أحيان كثيرة.

أول الأمور التي قد تعرقل التطبيق النصي لقرار مجلس الأمن هي “عقدة الأسد”، وقد بات واضحا أنها عقدة غير قابلة للحل في المدى المنظور. القرار تجاهل مصير الأسد بشكل تام، في حين أكد على مشاركة اللاجئين السوريون المقدر عددهم بأكثر من خمسة ملايين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وبدا ذلك كما لو أنه الآلية الوحيدة للإطاحة بالأسد بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، مع استمرار الاعتراضات من قبل عدد من الـدول العربية.

لو امتلكت روسيا حقا القدرة التامة على الإطاحة بالأسد وتأمين بديل عنه، كما فعلت إيران باستبعاد نوري المالكي، فمن الصعب جدا أن تقدم على تلك الخطوة المحفوفة بالمخاطر. إذ تخشى أن تشكل الإطاحة بالأسد هزيمة معنوية للموالين للنظام السوري، سوف تؤول لاحقا إلى هزيمة مادية وتنتهي بتفكك أجهزة الأمن والجيش. لا يمكن لروسيا أن تضمن ولاء القاعدة الاجتماعية الموالية للنظام في حال أجبر الأسد على التنحي. ذلك أن الأخير هو محور النظام السوري، وأن الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية لا يعني في مخيلة الموالين له والمدافعين عنه سوى بقائه في السلطة. وعلى الطرف الآخر، لا يمكن تخيّل أن تقبل فصائل المعارضة السورية مهما اشتدت الضغوط عليها، بأن تشكل حكومة انتقالية في دمشق فيما الأسد لا يزال في السلطة.

كما تشجع حقيقة تمسك حلفاء الأسد به على تعنّت هذا الأخير وعلى المزيد من المماطلة خصوصا أنه يعرف أن السير في العملية السياسية سوف يقود إلى نتائج غير مرضية على الإطلاق. لعبة المماطلة تغري روسيا وإيران أيضا، إذ تخوض كل منهما حروبا وعداوات متعددة، الأولى في أوكرانيا ومع تركيا، والثانية في اليمن ومع السعودية، وليس الأسد سوى إحدى الأوراق الكثيرة التي يجري توظيفها.

مسائل عديدة أخرى تعرقل التطبيق السلس لقرار مجلس الأمن نطرحها على شكل أسئلة من قبيل: كيف يمكن تحديد المنظمات الإرهابية في ظل التباين الواسع جدا؟ وكيف يمكن تجنب تفتت المعارضة المسلحة عند تطبيق وقف إطلاق النار الذي سترفضه فصائل عسكرية عديدة من دون حسم مصير الأسد؟ هل يمكن أن تندلع حرب أهلية داخل صفوف المعارضة المسلحة؟

بالتأكيد، تراهن روسيا على اقتتال داخلي في صفوف المعارضة يتزامن مع حرب دولية على الرافضين لقرار مجلس الأمن ليقود ذلك إلى إضعاف معسكر المعارضة وتدعيم قوات الأسد. في حال السير في تطبيق وقف إطلاق النار وشن الحرب على بعض الفصائل التي ترفض ذلك، من المحتمل أن تحدث هجرة واسعة لمقاتلين محسوبين على الإرهاب أو على فصائل ترفض وقف النار والالتحاق بالفصائل التي تقود العملية السياسية. وقد يكون لذلك آثار إيجابية من ناحية إعادة هيكلة المعارضة المسلحة وتقوية الجناح الوطني المعتدل فيها. لكن الخطر يبقى قائما، ففي حال لم يكن ضمن المشاركين في التسوية فصائل قوية وذات مصداقية يمكن أن تجتذب أولئك المقاتلين، فسيكون المآل هو تفتت قوى المعارضة وهروب المقاتلين. وسوف يفتح ذلك الباب أمام حدوث انتكاسات في الحل السياسي لتحاول روسيا التنصّل من الاتفاق وفرض ما تريده بالقوة.

يشكل ذلك أحد أهم الأسباب التي تجعل روسيا رافضة لمشاركة فصائل كبيرة ومؤثرة في التسوية السياسية، مثل حركة أحرار الشام وجيش الإسلام، إذ تطالب بإدراجها على لوائح الإرهاب. مراهنة تقوم على حدوث التصدعات والاقتتال الداخلي في صفوف المعارضة، فيما يبقى النظام السوري متماسكا بوجود الأسد، ليطرح نفسه كحام لمؤسسات الدولة السورية، فضلا عن كونه “حامي الأقليات”.

كاتب فلسطيني سوري

6