المضار الصحية لن توقف قطار تكنولوجيا النانو

دخلت الحضارة الإنسانية منذ بداية التسعينات في عصر تكنولوجيا النانو، ومبدؤها الأساسي صناعة مواد تقاس أحجامها بالنانومتر، لها خصائص عجيبة وآلات متناهية الصغر تتمتع بقدرات مذهلة، لكنها لا تخلو من مخاطر صحية.
الأحد 2016/01/31
منافعها قد تسيطر على مضارها

لندن - اتسعت المجالات التي اقتحمتها تكنولوجيا النانو من ذلك الطاقة ومعالجة المياه والطب والبصريات ومواد التجميل والأغذية والزراعة وغيرها من المجالات التي ستساهم في خدمة البشرية على جميع المستويات، لكن هذه التكنولوجيا التي يتنبأ لها الخبراء بأنها تستحوذ على عالم التقنية في المستقبل، لا تخلو من عدة مخاطر صحية.

ويمكن تعريف علوم وتكنولوجيا النانو بوصفها مجموع من البحوث والتقنيات المتعلقة بابتكار تقنيات ووسائل جديدة تقاس أبعادها بالنانومتر، وهو جزء من مليون جزء من الميليمتر، ويطلق على هذه الابتكارات اسم أجسام نانوية أو أجهزة نانوية.

وأشار عالم الفيزياء الأميركي ريتشارد فاينمان في ديسمبر 1959 إلى تكنولوجيا النانو كمجال علمي جديد، ودعا إلى استكشافه لأنه مجال “متناهي الصغر”. ولم تشهد علوم النانو انطلاقتها الحقيقية إلا بعد اكتشاف "مجهر المسح النفقي" عام 1981 الذي يستخدم لرؤية مكونات الذرة ودراسة تركيب الجزيئات.

ففي المجال الطبي تمكن العلماء من صنع آلات دقيقة في حجم كرات الدم يمكنها معالجة العديد من الأمراض التي تستدعي عمليات جراحية كإزالة الأورام أو الانسدادات داخل الشرايين. كما يعمل العلماء في إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) على صنع آلات دقيقة لحقنها داخل أجسام رواد الفضاء، وذلك لمراقبة الحالة الصحية للجسم والتعامل مبكرا مع الأمراض التي قد تصيبهم دون الحاجة إلى طبيب.

وفي مجال الطاقة تعكف العديد من فرق البحث في مناطق مختلفة من العالم على ابتكار أجهزة لتخزين الطاقة بصفة عامة، وستساعد تكنولوجيا النانو في إنتاج بطاريات تخزن كميات كبيرة من الطاقة لفترات طويلة.

دراسات طبية تؤكد خطورة المواد المصنعة باستعمال الأنابيب النانوية الكربونية على صحة الإنسان

كما ظهرت في السنوات الأخيرة تطبيقات عديدة أخرى لتكنولوجيا النانو، من ذلك الملابس الذكية القادرة على إنتاج الطاقة أو إزالة الأوساخ والميكروبات ذاتيا وزجاج طارد للأتربة وغير موصل للحرارة. وصناعة مواد ذات صلابة تفوق الفولاذ مع خفة وزنها وابتكار شاشات مجسّمة (ثلاثية الأبعاد) شفافة وقابلة للطي.

وفي غمرة الانتشار المتسارع لهذه التكنولوجيا، بدأت تظهر خلال السنوات القليلة الماضية دراسات طبية تؤكد خطورة المواد المصنعة باستعمال الأنابيب النانوية الكربونية على الصحة.

وأشارت هذه الدراسات إلى أنها توصلت إلى ما يؤكد تسبب مواد النانو الكربونية الجديدة بظهور أورام خبيثة لدى الأشخاص الذين يتعاملون معها بشكل مباشر. فالطابع المجهري لهذه المادة يجعل من السهل دخولها للجسم عبر المسام الجلدية أو الاستنشاق. ولا يوجد اليوم أي علاج طبي يمكن من التخلص من هذه المواد إذا دخلت الجسم.

كما توجد مخاوف من أن النانو جزيئات صغيرة جدا إلى الحد الذي يمكنها من التسلل وراء جهاز المناعة في الجسم البشري، وبإمكانها أيضا أن تنسل من خلال غشاء خلايا الجلد والرئة، وما هو أكثر إثارة للقلق أن بإمكانها أن تتخطى حاجز دم الدماغ !

في سنة 1997 أظهرت دراسة في جامعة أكسفورد أن نانو جزيئات ثاني أكسيد التيتانيوم الموجودة في المراهم المضادة للشمس أصابت الحمض النووي للجلد بالضرر. كما أظهرت دراسة في شهر مارس 2015 من مركز جونسون للفضاء التابع لناسا، أن نانو أنابيب الكربون هي أكثر ضررا من غبار الكوارتز الذي يسبب السيليكوسيس، وهو مرض مميت يحصل في أماكن العمل.

ومن ضمن المخاوف أيضا أن يصبح النانو بوت ذاتي التكاثر، أي يشبه التكاثر الموجود في الحياة الطبيعية، فيمكنه أن يتكاثر بلا حدود ويسيطر على كل شيء في الكرة الأرضية. وقد بدأت منظمات البيئة والصحة العالمية تنظم المؤتمرات لبحث هذه المخاطر بالذات. وعقد اجتماع في بروكسل في شهر يونيو من عام 2008 برئاسة الأمير تشارلز، وهو أول اجتماعٍ عالمي ينظم بغاية هذا الهدف، كما أصدرت منظمة غرين بيس مؤخرا بيانا تشير فيه إلى أنها لن تدعو إلى حظر على أبحاث النانو.

وعلى ما يبدو، فإن هذه التحذيرات لن توقف قطار العصر الجديد (عصر تكنولوجيا النانو) بعد تحوله إلى السرعة القصوى، ومن المتوقع بحسب الدراسات المستقبلية، أن تبلغ هذه التكنولوجيا ذروتها في الاستغلال بحدود عام 2030، كما يقول الخبراء. أما المخاطر الطبية فقد تجد تكنولوجيا النانو حلا لها في وقت لاحق.

18