المطارات أماكن سردية مليئة بالمفاجآت والتناقضات

أسطوريات المطارات وسردياتها المتعددة فيها أكثر من ثيمة روائية وقصصية وشعرية، مع أن الحركة فيها متسارعة ولا تهدأ.
الخميس 2019/04/25
المطارات ليست طائرات فحسب

في حداثات الكتابة الأدبية ثمة ما يسمى بالهوامش التي ينصرف الكتّاب عنها من دون قصد بوصفها من المنسي في الأدبيات المختلفة، أو يمكن أن تسمى بالمخفي من العلاقات الوظيفية التي تؤدي دورا فنيا في الكتابات؛ تلك التي لا تثير إلهام الكاتب في كثير من الأحيان، ولعل بورخس في كتابه “أسطوريات” من الذين انتبهوا إلى مثل هذه الوظائف في المهمل اليومي الذي يؤسس لجنس أدبي خارج من خيال القصة والرواية إلى جنس مستقل، فكتب عن السينما والملاكمة وكرة القدم، وحتى ماركيز عندما كتب عن المطربة الكولومبية شاكيرا كان قد فتح بابا للأسطوري اليومي الذي ابتعدت عنه الكتابة الأدبية. كما يحيلنا هذا إلى ما كتبه إدوارد سعيد عن تحية كاريوكا.

ولا تبتعد كتابات معينة عن تناول اليومي في إثاراته التي يمكن أن تكون حافزا لاستحداث جنس أدبي جديد ليس مهما تسميته بعدما امتزجت الفنون والآداب والعلوم والاجتماعيات في سرديات طويلة تأخذ من بعضها. وبالتالي يمكن أن تكون المفردات اليومية عوامل مشجعة لاقتناص “المهمل” أو المخفي وظيفيا في النص الأدبي. وهنا نشير إلى سرديات محفّزة كثيرا في العلاقات اليومية المباشرة وغير المباشرة، من تلك التي يمكن أن تدخل في أنساغ الكتابة وتثريها، لاسيما سرديات المطارات الحافلة بالنقائض والصور والخيالات والثقافات، فنكهة المطارات في كل العالم خاصة واستثنائية كمكان متحرك تتبدل فيه الأجناس والأعراق واللغات والصفات والأمزجة والتوقيتات والثقافات والروائح والرؤى. ولعله المكان الأوحد الذي يشتت الجهات ويجمعها في آن واحد. لذلك نجد في المطارات العالمية الكبرى مثل هذا الخليط البشري والزمني الذي يتحرك بسياقات مرصودة عبر زمنية إلكترونية دقيقة جدا.

سرديات المطارات لها فرادة نوعية، فهي جامعة لثقافات العالم من الهوامش المنسية إلى المتون المركّبة في حلقة تتصل وتنفرط حسب زمنية وجودها في هذا المكان، لكنها تستعرض النوع البشري من ظاهرهِ في أقل تقدير، بدءا من الثياب وموضاتها وليس انتهاء بالحقائب ونوعها الاجتماعي الشعبي، مرورا بالسلوك المباشر الذي يُبديه المسافر في هذا المكان غير الثابت، الذي يشبه كرة أرضية صغيرة تدور على محور واحد لكنها تتوزع في كل مكان. تجلب الشرق وتقذف بالغرب في رحلات تتناوب في الفضاء حتى تستقر على الأرض ثم تتجه إلى مكان آخر.

سنجد في التدقيق السردي أن كثيرا من الروايات العربية والأجنبية مرت شخصياتها في هذا المكان في ثلاث حالات هي: أولها أن تكون الشخصية مسافرة/ ذاهبة/ مهاجرة/ سبب صحي/ سبب بحثي – علمي – أدبي/ سياحة/ دراسة. وهذه الحالة هي تفريعات تتنوع في الرصد السردي وتخضع لسببية سردية تجري من خلالها وعبرها الأحداث المقبلة. وثانيها: أن تكون الشخصية عائدة من سفر طويل أو قصير في زمنيته الغائبة. وهذه حالة تختلف كليا عن الشخصيات المسافرة للأسباب المذكورة قبلا، فالعودة لها مسبباتها ودراميتها ومواجهاتها الجديدة، وثالثها أن هناك جمهورا في الحالتين يحيط بالمكان؛ استقبالا وتوديعا؛ والحالتان تفترقان كثيرا عن بعضهما كثنائية غير متصالحة نفسيا وواقعيا.

 ومثل هذا الجمهور كشفته السينما أكثر مما كشفته السرديات الأخرى التي تتخذ منه ديكورا في العادة ولا تشخّص المداخلات النفسية المتوقعة في الحالتين، بالعكس من الدراما والسينما اللتين تعاملتا مع المطار كمكان له خصوصية معينة وذاكرة سريعة راكضة تستطيع أن تجمع الماضي والحاضر أيضا في عملية استباق زمنية بحسب طبيعة الموضوع المرصود وجمالياته.

المطارات الكبرى والصغرى معا لا ملامح ثابتة لها على وجه التقريب، كأمكنة تتحرك في سياقات متعددة وفي اجتماعيات تتقابل وتتناقض وتتقاطع معا في دورات زمنية يومية متكررة، المفهومة منها وغير المفهومة، بسبب حركية المكان وتبدل شخصياته مع اللحظات لذلك لا ملامح ووجوه ثابتة في المطارات، بما يُنشئ خيالا كبيرا في رصد مثل هذه الحركة المتسارعة والتركيز على شخصيات عابرة لها أسطوريتها الشخصية والفردية. فلغة الخيال في حالة كهذه تؤثث وتقود إلى معرفة لا بد منها في قراءة الشخصيات المتاحة واستكناه عوالمها الخارجية والداخلية وجغرافيتها وتاريخيتها، وهذا ما يمكن أن نجده وإنْ قليلا في بعض الروايات التي اتخذت من المطار حاضنة سردية، بينما نجد الشطر الأعظم ممن كتبوا فيها مرّوا على المطارات كوسيلة عبور إلى فصل آخر، أو نقل الشخصية من إطار معين إلى آخر، ولم يتوقفوا كثيرا في رصد المكان وجمالياته وانفعالاته وسعاداته وأحلامه وأحزانه.

يمكن رصد أكثر الحالات شيوعا في هذا الفضاء الغريب، كأن نقول إن لا حميمية في العلاقات الإنسانية هنا، فالجميع مسافرون إلى جهات شتى في العالم، وبالتالي يمكن القول إن مثل هذه العلاقات هي علاقات طارئة يفرضها المكان ويشتتها الزمان فجأة، وليس هناك أفضل من ماركيز في واحدة من أفضل قصصه وأمتعها حينما رصد فتاة شابة وقد أدركها النعاس وهي في مقعد الطائرة وكيف عالج هذه اللقطة من روحها وجمالها وهو يرصد نوم الفتاة وربما أحلامها وتداعياتها الخفية وبهجتها النائمة.

في المطارات مسافرون ومهاجرون وهاربون من جحيم الحياة والدكتاتوريات المحلية بأمل الحصول على فيزا الحياة المجهولة في أوطان أخرى ولغات أخرى، وهذه حقائق تجري يوميا في وطننا العربي بعد ربيعه الرمادي المعروف، والحالات الإنسانية فيه كثيرة وكبيرة الحجم لو تم رصدها بدقة، لذلك نقول إن أسطوريات المطارات وسردياتها المتعددة فيها أكثر من ثيمة روائية وقصصية وشعرية، مع أن الحركة فيها متسارعة ولا تهدأ.

14