المطامع الإقليمية تستوجب استراتيجيات عربية جديدة في البحر الأحمر

بات واضحا للجميع الآن، السعي اللاهث، من جانب إيران لتعزيز تواجدها في مياه البحر الأحمر، سواء من خلال إنشاء قواعد عسكرية أو إرسال قطع بحرية، أو حتى قوات برية، إلى هناك، وهو ما يحتم على الدول العربية ضرورة التنسيق، لتوحيد الرؤى، ووضع استراتيجية موحدة للمواجهة، حفاظًا على ثوابت الأمن القومي العربي.
الجمعة 2017/01/13
العلاقات الأفريقية العربية ثابتة

القاهرة – ظل البحر الأحمر لفترات طويلة، بحيرة عربية، باعتبار موقعه الاستراتيجي الذي يقع وسط العالم العربي، وسيبقى ممرا ملاحيا عالميا هاما، حيث أنه المنفذ الوحيد للعديد من الدول، خاصة الأردن والسودان وجيبوتي، إلى العالم الخارجي، كما أنه الممر الرئيس للنفط العربي للولوج إلى الأسواق الأوروبية. وباعتماد معظم اقتصاديات الدول العربية على البترول الذي يمثل 93 بالمئة إلى 100 بالمئة من حجم صادراتها، سيزيد من أهميته الجغرافية، إضافة إلى وجود معادن مختلفة في مياهه.

وبدأت الكثير من الدول في إنشاء قواعد لها في خليج عدن، وهناك بالفعل دول تمتلك قواعد عسكرية الآن، ومنها فرنسا وتركيا والولايات المتحدة والإمارات العربية والصين والسعودية ومصر، ما يعني أن البلاد العربية شرعت في الاهتمام بالبحر الأحمر، باعتباره جزءا من أولويات الحفاظ على أمنها ومصالحها.

وخلال العامين الماضيين، تصاعدت الدعوات داخل إيران، لتطوير قدراتها البحرية، بهدف أن يكون أسطولها البحري قادرا على الوصول إلى المياه الزرقاء العميقة، بما يسمح لها بإجراء عمليات عسكرية في المحيط الهندي الغربي والبحر الأحمر، وبالتالي مساعيها في تهديد أمن من تشاء.

المطامع الإيرانية

في نوفمبر 2016، أعلن رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، محمد حسين باقري، أمام حشد من قادة القوات البحرية، عن أن بلاده تبحث جديا فكرة إنشاء قواعد بحرية في اليمن وفي سوريا..

وشدد باقري على أن طهران تحتاج لهذه القواعد البعيدة، إضافة إلى قواعد أخرى على الجزر الرئيسية في المحيطات، لأنها لا تقل أهمية لبلاده عن امتلاك الأسلحة النووية، بل تستحق هذه القواعد البحرية أضعاف الاهتمام بالسلاح النووي.

وشغل الهجوم، الذي شنته مؤخرا عناصر تابعة للحوثيين في اليمن، ضد سفينة المساعدات الإنسانية التابعة لشركة “الجرافات البحرية الإماراتية” عند منطقة باب المندب، والتي كانت تقوم بإحدى رحلاتها الدورية لنقل المساعدات الطبية والإغاثة إلى اليمن، الكثير من المراقبين، حيث أن هذا الحادث، يعني تهديدا فعليا للملاحة الدولية، ويؤثر على تدفق حركة السفن داخل البحر الأحمر.

وأوجد الحادث أبعادا استراتيجية جديدة، تتعلق بحرية الملاحة والإبحار في مضيق باب المندب، الذي يعد الممر الرئيسي لناقلات البترول المتوجهة إلى أوروبا عبر قناة السويس. وجاء تزويد إيران للحوثيين بصواريخ “نور”، المضادة للسفن، والتي ظهرت في ميناء المخا في أكتوبر 2016، ويصل مداها إلى 170 كيلو مترا، والتي أصاب أحدها الزورق الإماراتي السريع من نوع HSV-2 كإنذار للمهتمين في دول مثل مصر، بضرورة وضع التغيرات التي تحدث في البحر الأحمر في الحسبان.

تعد المحاولات العربية الجديدة، للحفاظ على أمن البحر الأحمر وسلامة الملاحة في باب المندب، بمثابة تغير استراتيجي

وبعد هذا الحادث، عاد الحوثيون وأطلقوا وابلا من القذائف على جزر حنيش، ومطار وميناء عصب في إريتريا، ردا على استخدام التحالف العربي للميناء، واشترط الحوثيون بعد استهدافهم الزورق الإماراتي، على جميع السفن التي تمر بالقرب من الحدود البحرية اليمنية، أن تحصل على تصريح عند المرور، وإلا سيتم استهدافها.

لم تكن تركيا هي الأخرى بعيدة عن المطامع في البحر الأحمر، والسيطرة على باب المندب، حيث ذكرت مصادر عسكرية تركية في بداية عام 2016، أنه تم توقيع اتفاق بين الحكومتين التركية والصومالية، لإنشاء قاعدة عسكرية على الأراضي الصومالية، إضافة إلى إنشاء مركز تدريب تركي للقوات الصومالية، كنواة لتدريب القوات الأفريقية في المنطقة، وسوف يتم تدشين هذه القاعدة في العاصمة مقديشيو.

وأكد إيميل بيكين، مسؤول بوزارة الخارجية التركية، أن مركز التدريب داخل القاعدة، يقيم فيه حوالي 200 عسكري تركي، مهمتهم تدريب 1500 جندي صومالي.

وأصبحت تركيا واحدة من اللاعبين الرئيسيين في القرن الأفريقي، وزار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الصومال ثلاث مرات في الآونة الأخيرة، وله علاقات مؤثرة مع سياسيي هذا البلد، وأغلق المسؤولون هناك مدارس رجل الدين التركي المعارض فتح الله غولن، كما أدانوا الانقلاب العسكري في أنقرة، في يوليو الماضي، وتعد السفارة التركية في الصومال الأكبر في أفريقيا.

وتستهدف محاولات أنقرة لإبعاد الصومال عن محيطه العربي، مصر ومصالحها في القرن الأفريقي، حيث لعب الصومال في وقت سابق ورقة ضغط كبيرة على الجانب الإثيوبي، من أجل الحفاظ على موارد مصر المائية.

وقال مراقبون إن الحكومة التركية بدأت في تغيير استراتيجيتها، باتخاذها منحى إنشاء قواعد عسكرية خارج حدودها، لاستهداف منافسيها، وأنشأت أول قاعدة عسكرية (عابرة للبحار) لها في دولة قطر، بناء على اتفاق وقع بين الجانبين. تعد المحاولات العربية الجديدة، للحفاظ على أمن البحر الأحمر، وسلامة الملاحة في باب المندب، بمثابة تغير استراتيجي، باعتبار أن المصالح العربية واحدة، ولا بد من منافسة القوى الإقليمية في امتلاك أدوات السيطرة والتحكم في المضايق.

التحركات العربية

بحسب تصريحات لوزير خارجية جيبوتي، محمود علي يوسف في ديسمبر 2016، فإن الخطوات الفعلية لإنشاء قاعدة بحرية سعودية في جيبوتي بدأت، حيث تم التوقيع على المسودة الأمنية والعسكرية والاستراتيجية للاتفاق بين البلدين.

وتعد جيبوتي أكبر قاعدة للقوات الأميركية في العالم، حيث يوجد على أراضيها أربعة آلاف جندي في معسكر ( ليمونييه)، كما تستضيف أيضا قاعدة فرنسية، بينما يستخدم ميناء البلاد الرئيسي لاستقبال عدة قوات بحرية أخرى.

امتلاك حاملات الميسترال، جاء خطوة هامة للوصول إلى أن تصبح القوات البحرية المصرية، ذات قدرات، للنفاذ إلى المياه الزرقاء العميقة

وإضافة إلى ذلك، أظهرت صور للأقمار الصناعية، بناء دولة الإمارات العربية المتحدة قاعدة بحرية وجوية في إريتريا، لدعم قوات التحالف العربي في اليمن، بعد نشرها أسرابا جوية في مطار “عصب” الإريتري، كما أظهرت الصور بعض القطع البحرية التي ترسو في ميناء عصب، وتخرج منه لممارسة مهامها منذ سبتمبر 2015.

ولا يزال مضيق باب المندب، يمثل التهديد الرئيسي للملاحة في قناة السويس، باعتباره البوابة الوحيدة للقناة، ومدخلها الجنوبي، والنقطة الحيوية الهامة للأمن القومي المصري.

ومن ثم، كانت مسارعة مصر إلى تدشين أسطولها البحري الجنوبي، قبل أيام، وامتلاك حاملة الطائرات الميسترال، خطوة أساسية لتحسين قدراتها البحرية.

وبحسب مراقبين، هناك عقود لصفقات أسلحة كثيرة يجري الآن إتمامها لاستكمال أركان هذا الأسطول، وسوف تكون الميسترال القطعة الرئيسية فيه، وتتمثل مهمتها في حماية البحر الأحمر، بدءا من مدينة السويس وحتى خليج عدن.

وأوضحت مصادر مصرية لـ”العرب”، أن الأسطول الجنوبي، سيكون بمثابة الثقل الموازن، لأي قوة بحرية تسعى لتهديد باب المندب، إضافة إلى ردع من يحاول إيجاد توترات مع مصر في شرق أفريقيا وفي إثيوبيا، خاصة إيران وتركيا وقطر، بعد أن أصبحت لمصر قوة اعتراضية ضد أي تدخلات في المنطقة. وشددت المصادر، على أنه لا يمكن لمصر، أن تقبل بأن تفرض قوة إقليمية، سيطرتها على البحر الأحمر، في أي مواجهة محتملة، مع هذا الطرف أو ذاك. ويمكن القول، إن امتلاك حاملات الميسترال، جاء خطوة هامة للوصول إلى أن تصبح القوات البحرية المصرية، ذات قدرات، للنفاذ إلى المياه الزرقاء العميقة، بما يعني أن العقيدة البحرية، بدأت في التغير من عقيدة الدفاع إلى عقيدة الهجوم، والتحول من المياه الخضراء إلى المياه الزرقاء العميقة، وخلال فترة تتراوح بين أربع إلى خمس سنوات، سوف يتم تزويد الأسطول المصري بسفن إضافية، كما تسعى القاهرة إلى إنشاء قاعدة بحرية في دولة من دول المدخل، ربما تكون إريتريا أو جيبوتي.

وعلق اللواء يسري قنديل الخبير الاستراتيجي، ورئيس جهاز استطلاع القوات البحرية، خلال حرب أكتوبر، على التوجهات العربية الجديدة تجاه أمن البحر الأحمر بقوله “إن مصر تحت قيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حاولت جاهدة من قبل، أن تجعل البحر الأحمر بحيرة عربية خالصة”.

وأضاف لـ”العرب” “مارست مصر في حينه، ضغوطا على البريطانيين، لمغادرة قاعدتهم البحرية في عدن، ودعمت الضباط اليمنيين، خلال الحرب المصرية في اليمن في منتصف ستينات القرن الماضي، كما أغلقت الممرات البحرية وخليج العقبة في وجه السفن التجارية الإسرائيلية، إلا أن هزيمة 1967 أدت إلى انهيار مشروعها في البحر الأحمر وإغلاق قناة السويس نفسها”.

6