المطبعجي والناشر

يبدو غريبا أن تولد كثير من دور النشر داخل جيوب أصحابها، حيث يكون صاحب الدار في نفس الآن هو قارئ المخطوطات والمصفف والموزع والمكلف بالاتصال وبغيرها من مهن النشر.
السبت 2018/03/03
الناشر يعتبر أمينا على نشر الأفكار

في لقاء أخير جمع الناشرين العرب بمدراء المعارض العربية، اختار الباحث المصري خالد عزب أن يكرس كل مداخلته للحديث عن التهديدات التي تحيط بصناعة النشر داخل سياق كوني تجتاحه التحولات التقنية والمعرفية. كان خالد عزب يسرد بدقة الخبير وبكثير من الحماس، التهديد تلو الآخر، غير أن القاعة التي كان يملؤها الناشرون بدت غير معنية بالأمر ومطمئنة إلى حالها. أما مسير الجلسة فقد اختار أن يوقف خالد عزب معتبرا الحديث عن هذا الأمر غير مستعجل وأن الوقت لا يسمح بإثارة موضوع خارج جدول عمل اللقاء، في اللحظة التي كان فيها الوقت فائضا بدليل عدد استراحات الشاي التي كانت تقطع اللقاء.

والأكيد أن هذا الأمر يعكس حال قطاع النشر والكتاب بالعالم العربي، الذي يبدو غير قادر على ضبط إيقاعه على التغيرات الجارفة التي تعرفها المهنة ومعها قطاع النشر على مستوى الكون. وإذا كانت هذه التغيرات تفترض تحصين القطاع من خلال تخليق مهنة النشر ومنحها إطارا احترافيا، فإن كثيرا من دور النشر العربية ما زالت تصر على الاستمرار في الاشتغال بشكل تقليدي، تتماهى في إطاره صورة المطبعي مع صورة الناشر.

ولعل من امتداد هذا الأمر كون كثير من هذه الدور تبدو كتجمعات عائلية، حيث يلتقي الآباء بالزوجات وبالأبناء الصغار وبغيرهم من أفراد العائلة، بشكل يتم تحويل مهنة النشر إلى أكثر المهن التي تتناقل بالوراثة بدل التحصيل الأكاديمي والمهني. ولذلك يبدو عاديا أن ينقلب الابن على الأب فور تعلمه لبعض أبجديات النشر، قاطعا مع خط الدار. إن كان للدار خط.

ولا تبدو بقية الدور أكثر حظا. فهناك دور نشر لا تستطيع أن تتنفس بعيدا عن أوكسجين الدعم، وهناك دور تقتات من خطاب أزمة القراءة لكي تأتي على حقوق كتابها، وهناك دور تستمر في عملها كما لو أنها ما زالت في عهد غوتنبرغ، غير منتبهة إلى كائن جديد اسمه الإنترنت الذي يجرف كل شيء.

لا يكفي أن تمتلك  دار النشر اسما لامعا أو قراء أوفياء. فالمهنة أكبر من ذلك وأنبل من ذلك أيضا. إذ أن الناشر يعتبر أمينا على نشر الأفكار وعلى توجيه القارئ ومعه الرأي العام الثقافي. ولذلك يبدو غريبا أن تولد كثير من دور النشر داخل جيوب أصحابها، حيث يكون صاحب الدار في نفس الآن هو قارئ المخطوطات والمصفف والموزع والمكلف بالاتصال وبغيرها من مهن النشر.

والنتيجة أن الحدود بين مهنتي المطبعي والناشر تتلاشى، حيث لا يستطيع الناشر التخلص من عقلية المطبعي الذي يدفع للسوق ما يصل إليه، في غياب لجان القراءة التي تشكل الفاصل بين المهنتين.

15