المظاهر لا تجعل من روسيا.. الاتحاد السوفياتي

الجمعة 2014/02/14

ما الفارق بين روسيا والاتحاد السوفياتي؟ وما الفارق بين دورة الألعاب الأولمبية في موسكو في العام 1980 ودورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي تقام حاليا في سوتشي الروسية؟ الفارق الوحيد أن الولايات المتحدة لم تقاطع دورة سوتشي كما قاطعت دورة موسكو التي تلت التدخل العسكري السوفياتي في أفغانستان. لكنّ الملفت أن روسيا ما زالت تتصرّف على الطريقة السوفياتية. تعتقد روسيا- فلاديمير بوتين أن صرف الأموال وإقامة حفلة افتتاح استثنائية للدورة سيغطي العورات التي يعاني منها البلد الطامح إلى لعب دور القوة العظمى على الصعيد العالمي. ليس بهذه الطريقة تستطيع روسيا استعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي.. هذا إذا كانت له أمجاد فعلا.

لا يختلف اثنان على أن افتتاح دورة سوتشي كان حدثا متميّزا، بل رائعا، خصوصا أن مبالغ ضخمة وظّفت من أجل أن يكون الافتتاح عرضا استثنائيا بكلّ المقاييس. أظهرت روسيا- فلاديمير بوتين كم هي قادرة على الاستثمار في المظاهر. ولكن ماذا عن الاستثمار في ما هو أبعد من ذلك؟

هل عادت روسيا قوة عظمى على غرار ما كان عليه الاتحاد السوفياتي حتى أواخر التسعينات من القرن الماضي؟ هل يتحقق حلم بوتين الذي اعتبر في العام 2008 لدى الاعلان عن أن سوتشي فازت بتنظيم دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في 2014 “أنّ روسيا عادت أخيرا إلى الساحة الدولية كدولة قويّة يهابها الآخرون تقف على رجليها بقدراتها الذاتية”؟

هل هناك ما يبرّر ما ظهر من شعارات على بعض اللافتات الإعلانية التي رفعت في شوارع سوتشي من نوع “اليوم روسيا، وغدا العالم”؟

قاطع معظم زعماء العالم الحرّ، في أميركا وأوروبا افتتاح الدورة الأولمبية. حتى إدارة باراك أوباما المعروفة بسذاجتها قاطعت. صحيح أنه كان في الافتتاح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ونحو أربعين رئيس دولة ورئيس وزراء، لكنّ الصحيح أيضا أنه لم يكن هناك زعيم أوروبي أو عربي له وزنه في سوتشي. كانت الصين التي حضر رئيسها استثناء. وكان حضورها بمثابة تأكيد لاهتمامها بالسوق الروسي الذي تصدّر إليه البضائع لا أكثر.

في النهاية، تبيّن أن روسيا لا تزال تعيش في عالمها الخاص ولم تستطع، على الرغم من مضيّ ما يزيد عن عقدين على انهيار الاتحاد السوفياتي، من أن تتحوّل إلى دولة طبيعية منفتحة على العالم وقادرة على الاستفادة من ثرواتها الكبيرة ووضعها في خدمة شعبها.

باختصار، لا يزال الاقتصاد الروسي في وضع متخلف، ولا يزال يعيش، أساسا، بفضل واردات النفط والغاز وأسعارهما. لم يستطع بوتين القيام بأية إصلاحات. لا سلطة قضائية مستقلة في روسيا، ولا دولة مؤسسات. لا تزال الدولة تسيطر على الاقتصاد، لا تكنولوجيا متقدمة باستثناء تلك المرتبطة بالسلاح، لا يزال جهاز الموظفين الحكوميين الضخم عبئا على الاقتصاد الذي كان انهياره من بين الأسباب الأساسية لانهيار الاتحاد السوفياتي.

من يريد أخذ فكرة عن هشاشة الاقتصاد الروسي، يستطيع العودة إلى مجلّة “ايكونوميست” الجدّية التي أشارت أخيرا إلى أن الموازنة الروسية كانت قبل عشر سنوات في حاجة إلى أن يكون سعر برميل النفط عشرين دولارا كي تكون موازنة متوازنة. في السنة 2012، ثمة حاجة إلى سعر يوازي حوالي المئة وثلاثة دولارات للبرميل، كي تكون الموازنة متوازنة.

هناك أرقام مذهلة تعكس موقع روسيا على الخريطة الاقتصادية العالمية. فحجم التبادل التجاري بينها وبين الولايات المتحدة يبلغ ثمانية وعشرين مليار دولار سنويا. وحجم التبادل التجاري بين روسيا والصين لا يتجاوز سبعة وثمانين مليار دولار سنويا على الرغم من الحدود الطويلة بين البلدين.. أمّا حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين فهو خمسمئة وخمسة وخمسون مليار دولار سنويّا.

لا يمكن للألعاب النارية، مهما كلّفت من أموال وبارود ومهما خلقت ألوانا، تغطية الفشل الروسي الذي كانت الأحداث الأخيرة في أوكرانيا أفضل تعبير عنه. اضطرت روسيا إلى رشوة أوكرانيا من أجل أن تبقى في فلكها وعدم التوجّه أوروبيا. كان يمكن لانضمام أوكرانيا، على مراحل، إلى أوروبا مساعدة هذا البلد في القيام بالإصلاحات الاقتصادية المطلوبة. إنّها إصلاحات من النوع الذي لا بدّ منه في حال كانت أوكرانيا (الجمهورية السوفياتية سابقا) تريد أن تتقدّم فعلا بدل البقاء في أسر النظام الاقتصادي السوفياتي الذي أدى إلى زوال القوة العظمى الثانية في العالم. أكثر من ذلك، كان يمكن لاتجاه أوكرانيا أوروبيا توفير نموذج لاقتصاد عصري مختلف ومنتج في بلد حدودي لروسيا. كان ذلك سينعكس إيجابا على روسيا نفسها.

كلّ ما يمكن قوله أن روسيا- بوتين لا تستطيع تقبّل الإصلاحات لا في الداخل ولا في الخارج، خصوصا في البلدان القريبة منها. وهذا ما يفسّر إلى حدّ كبير ذلك الموقف العجيب الغريب من مأساة الشعب السوري. لم تستطع روسيا- بوتين أن تكون أكثر من تاجر سلاح يظنّ أن دورة الألعاب الأولمبية في سوتشي، التي كلّفت خمسين مليار دولار، ستبهر العالم.

كان يمكن صرف هذا المبلغ، الذي تدور تساؤلات في شأن مدى استفادة كبار الفاسدين منه، في ما يخدم الشعب الروسي. المؤسف أن هذا الشعب لن يلاحظ تغييرا يذكر يطرأ على مستوى معيشته. كلّ ما يمكن فهمه من رسالة سوتشي أنّ روسيا لا تستطيع أن تتغيّر وأنّ قيصر الكرملين يظلّ قيصر الكرملين، أكان اسمه ستالين أو بريجنيف.. أو بوتين.

يظلّ على صعيد الشرق الأوسط، أن الاتحاد السوفياتي الذي أخذ العرب إلى هزيمة 1967، سيأخذ سوريا في السنة 2014 إلى مزيد من التفتت ولكن باسم روسيا. لم يتبدّل شيء ولن يتبدّل شيء في موسكو. ليس ما يشير إلى أنّ روسيا- بوتين، التي تعتقد أن في استطاعتها تغطية هشاشة اقتصادها عن طريق الألعاب النارية، تريد أن تتعلّم شيئا من دروس الماضي القريب.

الأكيد، أن ليس بالطريقة التي بنيت بها منشآت سوتشي ولا برشوة أوكرانيا ولا بالمشاركة في ذبح الشعب السوري، يمكن إنشاء مثل هذا الاقتصاد.


إعلامي لبناني

9