المعادلة الغربية في سوريا: بقاء الأسد مقابل انسحاب إيران

الوجود الإيراني يشكل عاملا رئيسيا لاستمرار الصراع في سوريا وتهديد استقرار المنطقة، وتضغط القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة اليوم لإنهاء هذا الوجود في ظل تعنت دمشق ومناورات موسكو.
الخميس 2018/08/30
لقاء قد يكلف الكثير

دمشق - عادت النبرة التصعيدية ضد رئيس النظام السوري بشار الأسد، فبعد تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاثنين اعتبر فيها أن استمرار الأسد في الحكم “خطأ فادح” قال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس الثلاثاء إن هدفهم هو أن يختار الشعب السوري حكومة لا يقودها الأسد.

وترافقت هذه النبرة مع إرسال كل من روسيا والولايات المتحدة تعزيزات عسكرية للبحر المتوسط، وتحذير إسرائيل الأربعاء من استئناف هجماتها ضد مواقع لإيران وميليشياتها في سوريا، بعد أن

تراجعت وتيرتها بشكل واضح خلال الفترة الأخيرة.

ويربط مراقبون عودة التصعيد مجددا بنقطتين أساسيتين؛ هما استمرار وجود إيران وميليشياتها في سوريا، ومحاولة روسيا احتكار التسوية السياسية بالتعاون مع أنقرة وطهران وإقصاء القوى الغربية أي الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي.

ويشير المراقبون إلى أن القوى الغربية مارست طيلة الفترة الماضية سياسة الصبر الاستراتيجي رغم بعض التصريحات التحذيرية، في ما بدا محاولة لإقناع موسكو ودمشق بضرورة إنهاء الوجود الإيراني الذي يشكل أحد الأسباب الرئيسية في استمرار الصراع السوري، وفي تهديد أمن واستقرار المنطقة.

وشكل التوافق الجزئي بشأن استعادة النظام السوري لجنوب غربي البلاد أملا في إمكانية البناء عليه، بيد أن روسيا لم تقم بالتحرك الكافي للتعاطي مع الهواجس الغربية.

وقدمت موسكو مقترحات للجانب الأميركي هي أشبه بالمقايضة، أحدثها انسحاب إيران من المسرح السوري مقابل رفع العقوبات الأميركية عنها وعدم السير في تنفيذ القرار بحظر استيراد النفط منها الذي سيدخل حيز التنفيذ الشهر المقبل، إلا أن واشنطن رفضت هذا العرض، وأصرت على انسحاب إيران دون شروط.

وأكدت وكالة “رويترز” مؤخرا أن وفدا أميركيا يضم مسؤولين في مجالي الأمن والمخابرات زار بدوره دمشق في يونيو الماضي والتقى مع رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي مملوك. ويرجح أن يكون من جملة المواضيع التي تم بحثها هو الوجود الإيراني، لكن دمشق على ما يبدو لم تتعاط بإيجابية مع الزيارة.

وعززت الاتفاقية الدفاعية التي وقعتها الحكومة السورية مع طهران خلال زيارة وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي إلى دمشق هذا الأسبوع حدة التوتر، خاصة وأنها نصت على استمرار الوجود الإيراني، ومساهمة طهران في إعادة بناء القدرات العسكرية للجيش السوري، وهذا سيعني تكريس نفوذ طهران في هذا البلد العربي.

وقال وزير الاستخبارات الإسرائيلي يسرائيل كاتز الأربعاء إن “الاتفاق الذي أبرم بين بشار الأسد وإيران يشكل اختبارا لإسرائيل: سيكون ردنا واضحا وجليا. لن نسمح لإيران بالتمركز عسكريا في سوريا”.

روبرت فورد: الأسد بمقدوره الاستمرار في الحكم دون الشروع في إعادة بناء سوريا
روبرت فورد: الأسد بمقدوره الاستمرار في الحكم دون الشروع في إعادة بناء سوريا

وأضاف كاتز العضو في الحكومة الأمنية المصغرة “سنرد في سوريا بكل قوتنا ضد أي هدف إيراني يمكن أن يهدد إسرائيل، وإذا تدخل الدفاع الجوي للجيش السوري ضدنا فسيدفع ثمن ذلك”.

وكان وزير الدفاع الأميركي قد صرح الثلاثاء بعد إعلان الاتفاقية بأن هدف الولايات المتحدة في سوريا يكمن في ضمان إنهاء سلطة رئيسها الحالي بشار الأسد في موقف لافت، خاصة وأن واشنطن ألمحت في الفترة الماضية إلى أنها لم تعد تضع الإطاحة به ضمن أحد أهدافها.

وقال ماتيس في مؤتمر صحافي واسع عقده في مقر وزارة الدفاع (البنتاغون) “إن هدفنا يتمثل بتحويل سير الأزمة السورية إلى إطار عملية جنيف ليكون بإمكان الشعب السوري أن يختار بنفسه حكومة لا يقودها بشار الأسد”، في رسالة واضحة إلى موسكو بأنه لا يمكنها احتكار التسوية وأن الحل يمر عبر الأمم المتحدة.

وجدد وزير الدفاع الأميركي مطالبة الولايات المتحدة بانسحاب القوات الإيرانية من سوريا، مشددا على أن وجود إيران العسكري في هذه الدولة لا مبرر له. وقال ماتيس “يجب بالدرجة الأولى النظر في قضية أنشطتهم (أنشطة الإيرانيين) في سوريا ودعمهم للشخص الذي يبث الفوضى ويقتل شعبه، لا أساس لوجودهم هناك”.

وتتشارك الولايات المتحدة وإسرائيل ذات الهواجس من وجود إيران في سوريا، ويرى مراقبون أن استمرار تعنت بشار الأسد في إضفاء “شرعية مزعومة” على الوجود الإيراني وعدم تحرك روسيا بالشكل الكافي لإنهاء هذا الوجود من شأنهما أن يعيدا الملف إلى المربع الأول.

ويقول مراقبون إن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين رغم أنه ليس لديهم التأثير الميداني الكبير في سوريا مقارنة بروسيا. كما أنهم حريصون على عدم تدحرج الأمور إلى صدام عسكري مع الأخيرة، بيد أن لديهم أوراق ضغط عديدة من شأنها أن تبقي الأزمة مفتوحة وما يعنيه ذلك من استنزاف لروسيا.

وسبق وأن صرح مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون قبيل لقائه مع نظيره الروسي نيكولاي باتروشيف في جنيف قبل نحو أسبوع بأن واشنطن تملك أوراق الضغط في محادثاتها مع موسكو لأن “الروس عالقون هناك في الوقت الحالي”.

وأضاف “لا أعتقد أنهم يريدون أن يظلوا عالقين هناك. أرى أن نشاطهم الدبلوماسي المحموم في أوروبا يشير إلى أنهم يودون إيجاد آخرين مثلا لتحمل تكلفة إعادة إعمار سوريا، وهو ما قد ينجحون أو لا ينجحون في فعله”.

وتحاول روسيا العمل على المسارين الدبلوماسي والعسكري بشكل متواز. فبعد الدور الكبير الذي لعبته في استرجاع النظام السوري لمناطق استراتجية من أيدي المعارضة آخرها الجنوب، هاهي اليوم توجه أنظارها إلى محافظة إدلب المعقل الأبرز للمعارضة السورية.

وبموازاة ذلك تتحرك دبلوماسيا لإقناع الأوروبيين بالمساهمة في إعادة إعمار سوريا، وعودة اللاجئين، ولكن لا استجابة حتى الآن، وهو ما عبر عنه موقف الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع حينما أعلن أن الوضع في سوريا غير آمن لمثل هذه العودة.

ويقول السفير الأميركي السابق لدى سوريا والجزائر والباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن روبرت فورد “إن الولايات المتحدة تأمل في أنه إذا رفضت هي وحلفاؤها جميع الطلبات الروسية لتمويل إعادة بناء سوريا تحت قيادة الأسد فإنها بذلك ستحصل على المزيد من النفوذ داخل سوريا، وسيجبر الروس

كلا من الأسد وإيران على تقديم تنازلات سياسية كبيرة”.ويستدرك روبرت فورد قائلا “الحقيقة أن بشار الأسد بمقدوره الاستمرار في الحكم لفترة طويلة دون الشروع في إعادة بناء البلاد”.

2