المعارضة البحرينية ضيعت الفرصة

الخميس 2014/12/04

من منا لم يتمنّ أن لو أنّ الانتخابات البحرينية التي جرت قبل أيام كانت قد تمت بمشاركة الجميع لتؤدي دورها الكامل كوسيلة ديمقراطية للمشاركة السياسية، ولتساهم في إعادة اللّحمة والاستقرار للشارع البحريني وفي ردم الفجوة التي أوجدتها المعارضة عبر زرع نار الفتنة الطائفية والانقسام عقب أحداث العام 2011 وتحريضها الجموع لقلب نظام الحكم ودعمها للغوغائيين الذين احتلوا آنذاك دوار اللؤلؤة وحاولوا أن يعيثوا في العاصمة تخريبا.

لكنّ المعارضة التي تتصدّرها جمعية الوفاق ذات التكوين القائم على الأخوّة في الطائفة، قبل الولاء للوطن، آثرت للأسف قطع حبل الوصل بالإصرار على مقاطعة الاستحقاق الانتخابي الذي من المؤكد أنّها لو كانت قد شاركت فيه لساهمت في تلطيف الأجواء وفتحت بابا للنقاش السياسي وللتغيير السلمي الذي يرضي جميع الأطراف ولا يكون لمصلحة فصيل على حساب آخر.

لا اختلف مع أحد في أن للمعارضة البحرينية مطالب يمكن تفهّمها، وبأن قسما من البحرينيين يعاني مصاعب اقتصادية واجتماعية، ومنهم من يلازمه شعور بعدم المساواة، وكلّها قضايا يمكن طرحها وأوضاع يمكن النضال سلميا لتغييرها، دون اللجوء بالضرورة إلى مقاطعة الانتخابات وتفويت فرصة التغيير عبر صناديق الاقتراع.

بكل أسف أثبتت المعارضة مجدّدا عدم سلمية قياداتها وأكّدت سعيهم وراء الشقاق بدل اللّحمة التي لو تحلّى بها كل مختلف في الرأي لضحّى في سبيلها وتنازل من أجل وطنه واستقراره ونمائه.

ألم ينكشف لمن غرّرت بهم “الوفاق” بشعاراتها المذهبية وولائها لإيران، أن المشي خلفها لم يجلب لهم الخير قط، وأن استجابتها لتحريض الجار الإيراني لا تصب في مصلحتها وإنما تدفع باتجاه عزلها عن محيطها العربي والوطني، وشككت في مشروعية أهدافها ومطالبها وأوجدت حالة من النفور تجاهها، بعد أن شاهد الجميع مظاهراتها التي خرج فيها الأتباع حاملين صور الخميني وخامنئي بدل أن تُرفع صور وشعارات لرموز وطنية.

ألا يُعدّ هذا خيانة للوطن وتآمرا مع طهران التي -وبعلم الجميع- تضمر الشر للبحرين وتتمنى تحويلها، كما فعلت في العراق، لباحة خلفية لها، تمكّنها من زرع شوكتها في خاصرة دول الخليج العربي.

لا أخفي أن الغالبية العظمى من شيعة البلاد لا يمكن المزايدة على وطنيتهم. لكني أتمنى أن يرجع البعض من المضللين منهم إلى وعيهم ويدركوا أن انتماءهم الوطني أهم من اللهاث خلف وعود الجار الإيراني الطامع لخلق القلاقل ببلدهم، والذي يستخدمهم كجنود لتنفيذ مخططاته، ولن يكون من الغريب عليه أن يتخلى عنهم في أي صفقة ترضي طموحاته التملكية التي جعل من سياسة تصدير “الثورة الإسلامية” منفذا لها.

للعلم ومهما حاولت وتآمرت، فلن تنجح إيران بخلق تجربة حزب الله اللبناني أيا كان مسماه في المنامة وستفشل مع جماعة الحوثي الإرهابية في اليمن وإن ظنت أنّه تحقق لها ما أرادت، وبالتأكيد ستسقط سياسة تصدير الثورة، التي لن يتأخر اليوم الذي سنرى فيه إيران مقسمة ومفكّكة تعمّها الفوضى وهي الهشة من الداخل بسبب تنوعها العرقي وتفرقتها التي تمارسها الأثنية الفارسية المتحكمة بالسلطة تجاه الأحوازيين والبلوش والعرب والسنّة والأكراد والتركمان.

حجج التجنيس في البحرين التي تتذرع بها المعارضة وتنمي فيها العداء بين أبناء الوطن الواحد، حجج بغيضة وعنصرية وفي غير محلّها، وتقوم على التهويل والمبالغة بشأن إجراءات اعتيادية في كل الدول بما أنه من حق أي حكومة وهي التي ترسم السياسة العامة للدولة أن تسعى لعمل كل ما تراه مشروعا لمصلحة البلد وأمنها واقتصادها. كما يجب أن يتذكر الجميع أن العالم بأسره أصبح قرية صغيرة وأن كل الدول وحتى الأكثر قوة مؤلّفة من أناس لا يعني أحدا التثبت في أصولهم ماداموا مواطنين صالحين.

الدروس المستفادة من تجارب فاشلة للربيع العربي في بعض الدول التي ثارت على حكامها بدون استراتيجية وخطط مدروسة، خير دليل على أن التغيير عن طريق الوسائل الديمقراطية، وهي متاحة في البحرين عبر الانتخابات، هي بالتأكيد أنسب وسيلة لنيل المطالب. فالمظاهرات العبثية وقتل الآمنين والتخريب لن يوصل لأي نتيجة إيجابية، وسيجعل من السلطة أكثر صرامة في حماية كيان الدولة، ليكون الحال بسبب تصرفات المعارضة وبالا على الناس وسببا في انفضاض الجمع من حولها.

أما محاولات تدويل “القضيّة” فهي بدون أي فائدة بعد إن استوعب العالم أن المطـالبة بالحقوق بخلفية طائفية وبدعم من غريب ذي مطامع لـن تجدي نفعا، بل ستكون مفتاحا للفتن والقلاقل ومزيدا من الشغب الـذي ستحدثه في دول الجوار الآمنة والمستقرة. ولنا في العراق خير دليل، وهو الذي دمّره وفكّكه وقسّمه تدخّل الملالي في السياسة وتسييسهم للمذهب، بدعم سافر من الجار الإيراني الذي أوغل في جراح العراقيين وفرّقهم وهم من لم يُعرف عنهم إلا التعايش المشترك طوال تاريخهم وحتى في أشدّ الفترات ديكتاتورية.

3