المعارضة الجزائرية تشكك في وعود بوتفليقة بتحقيق مطالبها

لم تطمئن المعارضة السياسية في الجزائر للتنازلات التي أعلن عنها الرئيس بوتفليقة في رسالته للجزائريين حول قرب إطلاق الدستور الجديد بآليات تضمن لها حقوقها وتوسع مجالات نفوذها، إلى جانب تأسيس هيئة مستقلة للإشراف وتنظيم الاستحقاقات الانتخابية، معتبرة أنها مجرد وعود جوفاء.
الاثنين 2015/11/02
تنازلات بوتفليقة لم تقنع المعارضة السياسية

الجزائر- أعرب رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية محسن بلعباس، في تصريحات لـ”العرب” عن شكوك صريحة في مضمون الوعود التي أطلقها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، في الرسالة التي وجهها عشية الاحتفال بالذكرى الواحدة والستين لثورة التحرير، خاصة فيما يتعلق بتوسيع هامش الحريات، وتكريس دور المعارضة السياسية، وإطلاق آلية مستقلة تشرف وتنظم الاستحقاقات الانتخابية لضمان شفافية ونزاهة الانتخابات، وحماية أصوات المنتخبين من التزوير والمصادرة.

وقال “صحيح ما تحدث عنه الرئيس يقع في صلب مطالب المعارضة السياسية، خاصة بالنسبة إلى الأحزاب والشخصيات المنضوية تحت لواء تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي، وشكلت أحد أبرز بنود ندوة زرالدة، وقد تعتبر تنازلا أو رسالة تهدئة سياسية أو شيئا من هذا القبيل، لكن تاريخ ممارسات السلطة يؤكد في كل مرة البون الواسع بين الخطاب والأفعال”.

وأضاف “نفس الرئيس الذي خطب للجزائريين في أبريل 2011، ووعد حينها بحزمة إصلاحات سياسية عميقة، هو نفسه الذي يتردد في الكشف عن مضمون هذا الدستور للجزائريين، وفي الأربع سنوات الموالية عرفت البلاد تراجعا لافتا للحريات وتضييقا على نشاط المعارضة، وجمدت ملفات اعتماد الأحزاب السياسية في أدراج وزارة الداخلية، وقُمعت المظاهرات والنشطاء ووسائل الإعلام”.

وكان الرئيس بوتفليقة الذي لم يسجل أي نشاط داخلي منذ أبريل 2013، ويكتفي بمخاطبة الجزائريين عبر رسائل يقرأها وكلاؤه أو تبثها وسائل الإعلام الحكومية، قد وجه رسائل تهدئة للمعارضة السياسية، عبر الكشف عن قرب إطلاق الطبعة الجديدة للدستور، وتضمينه ما يكفل تكريس الحريات وتوسيع دور ومواقع المعارضة، وتأسيس آلية للإشراف وتنظيم المواعيد الانتخابية، لضمان شفافية ونزاهة الانتخابات وحمايتها من التزوير.

ويرى مراقبون للشأن السياسي في الجزائر، أن رسالة بوتفليقة على غموض مصدرها كون الشكوك باتت تلف هذه الرسائل بسبب وقوعها في التناقض أحيانا أو تأتي بعكس ما هو معروف عن شخصية الرئيس بوتفليقة، فإنها تعكس حالة العزلة التي تتخبط فيها السلطة نتيجة الضغوط المتفاقمة، جراء انسداد الأفق السياسي وإكراهات الأزمة النفطية.

ويضيف هؤلاء أن رسالة بوتفليقة هي محاولة لاستقطاب المعارضة السياسية ومقاسمتها أعباء المرحلة، بعدما بات ليس في مقدورها مواجهة الوضع لوحدها، وبالتالي فإن التنازلات المعلن عنها من قبل الرئيس بوتفليقة، هي اعتراف ضمني بخطورة الأوضاع الأمنية والاقتصادية المحيطة بالبلاد، وبوجاهة المطالب التي ترفعها المعارضة.

ويقول رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية محسن بلعباس في تصريحه لـ”العرب” إن رسالة النوايا “تحتاج إلى أفعال ميدانية وإلا ستكون كغيرها من الخطابات الجوفاء السابقة، وشكوك المعارضة لها ما يبررها، فالرئيس لم يأت بالجديد عما تسرب عن مضمون الدستور الجديد في فترات سابقة من قبل وكلائه والمقربين منه، وإلى حد الآن لم يتحدد موعد طرح الدستور للاستفتاء الشعبي أو البرلمان”.

محسن بلعباس: البون الواسع بين الخطاب والواقع يعزز شكوكنا

وذكرت مصادر مقربة من محيط الرئيس لـ”العرب”، أن مسألة الوثيقة الدستورية تعالج على نطاق ضيق في محيط قصر الرئاسة، وهناك بعض الجزئيات لم يحسم فيها بعد، على غرار الاستفتاء الشعبي أو الاكتفاء بتزكية البرلمان، وقد يكون هناك أكثر من نسخة، واحدة بتعديلات شكلية وثانية بتعديلات عميقة، والأمر مرتبط بتحقيق توافقات وتوازنات داخلية وخارجية، وتوفر جملة معطيات لهرم السلطة للحسم في نوعية النسخة الدستورية الجديدة، إلا أن الموعد لن يتعدى نهاية العام الجاري.

وقال بوتفليقة “والأمر سواء بالنسبة إلى الضمانات الجديدة التي سيأتي بها مشروع تعديل الدستور، من أجل تعزيز احترام حقوق المواطنين وحرياتهم واستقلالية العدالة، ونفس المقاربة هذه تحدو تعميق الفصل بين السلطات وتكاملها، وفي الوقت نفسه إمداد المعارضة البرلمانية بالوسائل التي تمكنها من أداء دور أكثر فاعلية، بما في ذلك إخطار المجلس الدستوري”.

وأضاف “سيكون تنشيط المؤسسات الدستورية المنوطة بالمراقبة وإقامة آلية مستقلة لمراقبة الانتخابات، من بين ما يجسد الرغبة في تأكيد الشفافية وضمانها في كل ما يتعلق بكبريات الرهانات الاقتصادية والقانونية والسياسية في الحياة الوطنية، وآمل أن تسهم مراجعة الدستور، في تعزيز دعائم ديمقراطية هادئة في سائر المجالات، وفي مزيد من تفتح طاقات الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين في البلاد، في خدمة مصالح الشعب، الشعب الذي هو دون سواه، مصدر الديمقراطية والشرعية.. الشعب الذي هو الحكم الأوحد صاحب القول الفصل في التداول على السلطة”.

وإن حاول بوتفليقة الإشادة بإنجازات ما بعد العام 1999، وتطرق إليها بالأرقام والإحصائيات، فإنه اعترف لأول مرة بخطورة الأوضاع الاقتصادية المحيطة بالبلاد، جراء تهاوي أسعار النفط وتقلص مداخيل البلاد، عكس ما يردده بعض من وزراء حكومة عبدالمالك سلال.

وقال “إننا عازمون على مواصلة مجهود التنمية الوطنية، رغم أزمة المحروقات العالمية التي كلفتنا نصف إيراداتنا الخارجية، وهي الأزمة التي قد تدوم مدة من الزمن، بسبب جملة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، وإني لأهيب بكل الجزائريات والجزائريين أن يدركوا ويعوا رهانات المرحلة، وعدم الارتباك أمام التحديات التي كثيرا ما يجري تهويلها لتخويف الشعب والتشكيك في قدراته، وهز ثقته في قيادته وأطره”.

2