المعارضة الجزائرية وعقدة فقدان العمق الشعبي

لماذا فشلت أحزاب المعارضة الإسلامية واليسارية والليبرالية والوطنية التقليدية في تشكيل وحدتها التكتيكية في المشهد السياسي الجزائري ولو مؤقتا ضد النظام الحاكم.
الخميس 2018/03/15
تشتت الأفكار

دعا رئيس حزب “جيل جديد” الجزائري، جيلالي سفيان، السبت الماضي، المعارضة الجزائرية إلى “رصّ الصفوف” وتقديم مرشح واحد يمثل شتى الأحزاب والشخصيات المعارضة في المشهد السياسي الجزائري لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2019. ويعد هذا المشروع بمثابة مرحلة انتقالية يتمّ فيها تأسيس ما يسميه بالطبقة السياسية في الجزائر.

في هذا السياق ألحّ جيلالي على ضرورة وضع برنامج “توافقي بالتنسيق بين المعارضة السياسية والمجتمع المدني والنقابات المستقلة والجمعيات والشخصيات، ثم بعد ذلك يتم تعيين مرشحها للرئاسيات وفق طرق ديمقراطية”.

هذا وقد أكد جيلالي على أهمية العمل وفق رؤية سياسية واضحة في الفترة الانتقالية التي دعا إليها بهدف إنجاز “إصلاحات جوهرية تؤدي إلى دستور يضمن استقلالية القضاء والتمكين من إنشاء محكمة دستورية وتنصيب هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات، وإعادة النظر في القوانين المتعلقة بالجمعيات والأحزاب، قبل تنظيم انتخابات تشريعية ثم محلية”.

يبدو أن أحزاب المعارضة وكذلك الشخصيات المدنية التي حضرت احتفال حزب جيل جديد بالذكرى السابعة لتأسيسه لم تتجاوب مع مقترح رئيس الحزب، حيث بقيت دعوته إلى ترشيح مرشح واحد يمثل المعارضة معلقة في الهواء، وينتظر ألّا تتحول إلى واقع مادي ملموس.

لا شك أن دعوة جيلالي سفيان تتميز بالرومانسية المغرقة في الطرح السياسي العاطفي، ورغم ذلك فهي إيجابية جزئيا من حيث الشكل باعتبارها اختبارا جديدا لنوايا المعارضة وكشفا لتشظيها المزمن، ولكن تطبيق مضمون هذه الدعوة وتحقيق وحدة المعارضة الجزائرية عمليا أمر مستبعد نظرا لغلبة الطموحات الفردية على قادتها، وجراء فشلها على مدى سنوات طويلة في المرور بطور بناء رأسمالها السياسي الناضج من القوى الوطنية العصرية في عمق المجتمع المدني الذي ترك وحيدا، حيث لم يُنظّم إلى يومنا هذا لكي يتحول إلى قاعدة صلبة مستقلة عن النظام الحاكم.

ونظرا لهذا الوضع المزري الذي تتخبط فيه أحزاب المعارضة فإنه لا يمكن لها اختيار مرشح يعبّر عنها وله القدرة على التأثير والاستقطاب في ظل تشتتها عقائديا وتنظيميا، وبسبب فقدانها للمصداقية لدى أغلبية أفراد المجتمع المدني وخاصة بين الأوساط الشعبية.

وتبيّن تحليلات المراقبين السياسيين أن المعارضة الجزائرية، سواء كانت أحزابا أو شخصيات مدنية مستقلة، قد أصابها التكلس ولا تعرف كيف تبني العلاقة الحقيقية مع المجتمع المدني، ويعود السبب في ذلك إلى كونها حديثة العهد بالعمل السياسي المؤسس على الفكر الجديد والعصري، وإلى كونها تتصرف بذهنية متخلفة ودكتاتورية تعيد إنتاج نموذج النظام الحاكم وسلوكه الفوقي المعزول عن القاعدة الشعبية في الغالب.

تحليلات المراقبين السياسيين تبيّن أن المعارضة الجزائرية، سواء كانت أحزابا أو شخصيات مدنية مستقلة، قد أصابها التكلس ولا تعرف كيف تبني العلاقة الحقيقية مع المجتمع المدني

وهنا تنبغي الإجابة عن السؤالين المركبين: لماذا فشلت أحزاب المعارضة الإسلامية واليسارية والليبرالية والوطنية التقليدية في تشكيل وحدتها التكتيكية في المشهد السياسي الجزائري الراهن ولو مؤقتا ضد النظام الحاكم وأحزاب الموالاة التي تدور في فلكه وتمثل واجهته السياسية؟ ثم لماذا لم تنجح أيضا في تشكيل مجتمع مدني مستقل ومنظم وفاعل له تـأثير حاسم في الساحة السياسية والثقافية والنقابية الجزائرية منذ فتح المجال للتعددية الحزبية إلى يومنا هذا؟

الجواب على هذين السؤالين يفترض مسبقا القول إن المعارضة الجزائرية قد عجزت عن إيجاد تصور منطقي لحل جذري لمشكلة كبيرة تتمثل في غياب برنامج وطني لديها يوحد بين المجتمع المدني والمواطنة من جهة، ويميز في آن واحد بين عبث تكوين دكاكين الأحزاب كيفما اتفق وبين استراتيجيات المشاركة في اتخاذ القرارات وفي بناء مؤسسات الدولة من جهة أخرى.فالنظام الجزائري لا يخشى من كثرة الأحزاب المجهرية والروابط والجمعيات والنقابات التي تدور في فلكه أو تقوم بالوكالة بتطبيق سياساته. فالتجارب المتراكمة قد علمتنا أن هذا النظام قد بارك مرارا وتكرارا عمليات تفكك الإسلاميين إلى فصائل حزبية كما أنه قام بنفس الشيء تجاه ما يسمى بالأحزاب والشخصيات اليسارية، وتجاه الأحزاب ذات الطابع الإثني.

المشكلة المعقدة الثانية التي تعاني منها المعارضة الجزائرية هي جهلها لحقيقة أن النظام الجزائري له خبرة طويلة في امتصاص الغضب الشعبي وتحريفه عن مجراه كلما اشتدّ، كما يملك أيضا ثقافة إدارة الأزمات.

على هذا الأساس نجد النظام الجزائري الحاكم يعامل مثلا، أطياف المعارضة الجزائرية المفككة والمشتتة كجزء من البنية الكلية للأزمة التي يديرها، ولا ينظر إليها كقوة سياسية شرعية لها امتداد في الفضاء الشعبي لها القدرة على إنتاج شروط الانتقال السلمي من الحكم العسكري الأمني إلى طور الحكم الديمقراطي في ظل دولة الرفاه الاجتماعي العادلة.

لا شك أن نقطة ضعف المعارضة الجزائرية تكمن في كونها غالبا ما تكرس بلا وعي هذه الصورة التي شكلها لها وعنها النظام الجزائري، ثم أصبح يشغلها بنجاح وكفاءة عاليين في مناسبات الانتخابات المختلفة ضدها لبسط هيمنته المطلقة عليها، ويوظفها في الأوقات التي تتخللها المطبات الاجتماعية أو الإثنية لكي يتجاوزها ويقفز عليها.

وفي تقدير المحللين السياسيين فإن دعوات هذا الحزب المعارض المجهري، أو تلك الشخصية المعارضة المعزولة إلى وحدة رومانسية للمعارضة التي تتنكر لحقائق التباينات الجوهرية التي فرّخت العشرات من الأحزاب المجهرية الفاقدة للعمق الشعبي، لا يمكن أن تحدث نقلة نوعية في الذهنية السياسية الجزائرية.

9