المعارضة الجزائرية وكعب أخيل المصفح

الخميس 2014/08/28

في منتصف هذا الأسبوع شهدت الساحة السياسية الجزائرية اجتماع فصيل غير متجانس من المعارضة الجزائرية، وذلك بمناسبة انعقاد ندوة الجامعة الصيفية بمدينة بومرداس القريبة من العاصمة، تحت إشراف “حزب التغيير” الذي يتزعمه عبد المجيد مناصرة، المنشقّ عن حزب “حمس» الذي شغل فيه موقعا قياديا بارزا، إلى جانب كونه قد لعب في السابق دورا مهما ضمن تكتل ما كان يسمى بالتحالف الرئاسي الذي كان مداره الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. فضلا عما ذكر فإن مناصرة سبق له أن شغل منصب وزير الصناعة وإعادة الهيكلة، كما كان عضوا بالمجلس الوطني الانتقالي، وهو معروف بانتمائه لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي. إلى جانب كل هذه التجارب الحزبية والعقائدية، فإن مناصرة يطرح نفسه كمحلل ومنظّر أيديولوجي إسلامي من خلال عدد من مؤلفاته المكرسة للشأن السياسي.

في هذه الندوة تمكن زعيم حزب التغيير من استقطاب عدد من وجوه المعارضة الذين حضروا جانبا من أشغال الندوة الصيفية وهم السادة رؤساء الوزراء السابقين: سيد أحمد علي غزالي وعلي بن فليس، وأحمد بن بيتور، وعبد العزيز بالخادم. والملفت للنظر أن هذا الأخير غير محسوب، من قريب أو من بعيد، على المعارضة بل هو من صقور النظام الحاكم حتى بعد إقالته المفاجئة من منصبه كوزير دولة ومستشار خاص لرئاسة الجمهورية من طرف الرئيس بوتفليقة، بعد انعقاد ندوة حزب التغيير بيوم واحد فقط.

في هذا السياق ينبغي طرح هذين السؤالين: لماذا استثنى عبد المجيد مناصرة زعيم حزب التغيير الوجوه الأخرى من حضور ندوته الحزبية الصيفية، سواء تمثلت هذه الوجوه في الشخصيات السياسية المستقلة، أو في الأحزاب الصغيرة والمتوسطة، أو الكبيرة المحسوبة على المعارضة، أوفي أعضاء ما يعرف بتجمع “قطب التغيير” الذي تأسس مؤخرا، والذي اعتبر عند تأسيسه بمثابة المظلة الجامعة لجميع الأحزاب والشخصيات المعارضة المطالبة بالتغيير الديمقراطي السلمي في الجزائر؟ وهل يعني هذا الاستثناء، بشكل غير مباشر، انعدام أرضية صلبة مشتركة بين هذه الأطياف، أم أن المعارضة السياسية الجزائرية لا تزال كعهدها متشظية وغير موحدة، وأن ما يدعى بقطب التغيير قد أصبح في خبر كان قبل إتمامه شهر العسل؟

في الواقع هناك عدة قراءات لوضع المعارضة الجزائرية الذي يتميز بالهشاشة وبالتباينات العقائدية غير المبدئية فيما بينها من حيث المضمون العام أولا، وبانعدام علاقة وطيدة ومصيرية بينها وبين القاعدة الشعبية من حيث الممارسة ثانيا. وبهذا الخصوص يرى المعلق السياسي الجزائري محمد سيدمو أن العقبة الكبرى التي تعترض هذه المعارضة تتمثل في أنها “تبحث عن لقاح السلطة خارج رحم الشعب”، ويعني هذا التعبير المجازي أنها معارضة نخبوية وموسمية، فضلا عن افتقادها العمق الشعبي الذي لم تقدر أن تصنعه في الميدان بنضالها اليومي الجدي والمستمر، منذ تدشين عهد التعددية الحزبية في الثمانينات.

في إطار هذا النمط من القراءة لابد من القول بأن انقسام صف الإسلاميين، وصف العلمانيين، والصف الذي يقبض العصا من الوسط، إلى عدد كبير من الأحزاب التي تربو عن 60 حزبا وأغلبها ذات توجهات فردية منعزلة عن بعضها البعض، خلق فسيفساء من أحزاب مجهرية ضعيفة، كثيرا ما ترتد على نفسها في شكل تناحر على مسائل هامشية حينا، وغالبا ما تقع فريسة للجزرات الناعمة التي تلوح بها السلطة الحاكمة من حين لآخر لهذا الحزب أو ذاك، ثم تستقطبه ببراغماتية متقنة الصنع وبذلك تدحرجه بعيدا عن مسار المعارضة، وعندما تنتهي من استخدامه تلفظه، وجراء ذلك تنزع عنه المصداقية السياسية. إلى جانب ما تقدم هناك قراءة ثانية لواقع المعارضة الجزائرية، ويمكن جمعها في النقطتين التاليتين:

1 - حصر قطبية المعارضة في الأحزاب التي تورطت مع النظام في الإدارة السياسية وتقاسم الوزارات والمناصب في البرلمان ومجلس الأمة، في الشخصيات التقليدية القديمة التي لا تتمتع بتكوين فكري وسياسي وثقافي حداثي، علما أن أغلبها كان جزءا عضويا في النظام الحاكم الذي بقي هو نفسه منذ الاستقلال، ومرورا بمرحلة العشرية الدموية، وطقوس العمل الشكلي بالتعددية الحزبية التي استخدمت للإبقاء على النظام بطرق ناعمة حينا، وبالقوة المغلفة بحرير دعاوي حفظ الأمن وتجنيب الجزائر مما يسمى بالمخاطر الأجنبية المحدقة.

2 - إبعاد الطاقات الشابة الطليعية المثقفة من الواجهة السياسية المعارضة من طرف قيادات الأحزاب الجزائرية التقليدية، التي تتمسك بمناصب القيادة العليا على مدى سنوات طويلة بما يشبه طقوس الحكم الشمولي الفردي، وإذا حصل تغيير شكلي ما في اللعبة فإن “الطائفة” الحزبية التي ترث القيادة في الهياكل المركزية، وفي فروعها، تكون دائما من سلالة القائد المستقل أو المعزول أو من بطانة جماعته التي تربت على رضاعة حليب ثقافة “نعم سيدي”.

هذه التقاليد غير الديمقراطية داخل الهياكل الحزبية الجزائرية هي التي فرضت على دورتها الدموية أوكسيد كربون الديكتاتورية والتخلف الفكري ووصاية الوجوه القديمة، على الأجيال الجديدة التي تعرقل إذا تمردت، أو تواجه التلقيح بفيروس التبعية والخضوع، مما يثبت في وعيها، ولا وعيها، ثقافة إعادة إنتاج ديكتاتورية من أوصلها إلى سدة القيادة.


كاتب جزائري

8