المعارضة الخاسر الأبرز من استدارة واشنطن صوب الخرطوم

تجد المعارضة السودانية نفسها في موقف صعب، بعد تغير الموقف الأميركي الذي لطالما اعتبرها في السابق ضحية النظام، واليوم بات ينظر إليها كعنصر معرقل لعملية السلام، وهذا أمر طبيعي في فقه السياسة باعتبار أن لغة المصالح تبقى المحدد الأساس في العلاقة بين الأطراف.
الجمعة 2017/01/20
في موقع قوة

الخرطوم – شن المبعوث الأميركي للسودان، دونالد بوث، هجوما عنيفا على المعارضة السودانية، الأمر الذي يعزز حقيقة التغير في الموقف الأميركي حيال الملف السوداني.

ودعا بوث الذي زار مرارا الخرطوم في العام الماضي، إلى توخي الحذر في التعامل مع جماعات المعارضة السودانية المسلحة التي اتهمها بوضع مطامحها السياسية فوق مصلحة الشعب.

وأوضح المبعوث الأميركي قبل يوم من تركه منصبه تزامنا مع انتهاء فترة ولاية إدارة باراك أوباما أنه تحدث في الآونة الأخيرة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال بشأن مقترح أميركي لتوزيع الغذاء والدواء على مناطق الصراع التي تسيطر عليها هذه الجماعة لكنها رفضت العرض.

وكانت الحركة الشعبية قد أعلنت أن مسؤولين أميركيين ضغطوا عليها مؤخرا في اجتماع عقد بباريس للسماح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى كل من دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان من داخل السودان وبإشراف النظام.

وهناك انقسام بين النظام والمعارضة حول كيفية توزيع المساعدات الإنسانية، حيث يصر النظام على ضرورة أن تمر هذه المساعدات عبره فيما ترفض المعارضة ذلك وتطالب بأن تمر عبر دول “محايدة” كإثيوبيا.

وليست هذه الضغوط الوحيدة التي مارستها إدارة أوباما على المعارضة المسلحة السودانية في الأشهر الماضية، ولعل أبرزها حينما فرضت عليها التوقيع على خارطة طريق طرحها الوسيط الأفريقي، ثابو إمبيكي، لحل الأزمة السودانية.

وقال بوث في مؤتمر في واشنطن “وجدت أن بعض زعماء المعارضة السودانية -خاصة المسلحة منها- على أتم الاستعداد لتجاهل مصالح ومنافع المواطن العادي من أجل مطامحهم السياسية الطويلة”.

واعتبر المبعوث الأميركي أن رفض الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال العرض الأميركي بتقديم مساعدات إنسانية كان “إهدارا لفرصة كبيرة لإحداث تقدم في مفاوضات السلام ومساعدة الناس الذين تزعم أنها تقدم لهم يد العون”.

وكانت الحركة الشعبية لتحرير السودان-قطاع الشمال جزءا من الجماعة المتمردة في جنوب السودان وهي تقاتل الآن في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق الحدوديتين.

وقال بوث “كما أن هناك متشددين داخل الحكومة يتمسكون بأفكار خاطئة بأنه يمكن تحقيق نصر عسكري.. هناك أيضا زعماء الجماعات المسلحة الذين يعتقدون أن من الصواب أن يواصلوا القتال مهما كانت التكلفة بالنسبة إلى شعبهم”.

ومن شأن التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي والتي تعد سابقة من نوعها أن تعزز من مخاوف المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، خاصة وأنها تأتي بعد أيام قليلة من قرار الإدارة الأميركية المنتهية ولايتها بتخفيف العقوبات الاقتصادية على الخرطوم، ردا على تعاونها في مكافحة الإرهاب، حسب ما صرح المتحدث باسم البيت الأبيض.

وجدير بالذكر أن المبعوث الأميركي، دونالد بوث، قد لعب دورا بارزا في المفاوضات التي استبقت قرار رفع العقوبات المفروضة منذ العام 1997، كما كان لدول عربية مثل السعودية بصمتها في تغير الموقف الأميركي.

وكان الرئيس السوداني قد سارع عقب إعلان البيت الأبيض عن قرار رفع العقوبات، إلى شكر الرياض على الدور الذي قامت به في هذا الصدد. وهناك معطيات تؤكد أن البشير سيتوجه قريبا إلى السعودية لشكرها بنفسه.

وسجلت في السنتين الأخيرتين استدارة لافتة من قبل السودان في اتجاه السعودية والدول الخليجية الأخرى بعد أن كانت بوصلتها موجهة ولسنوات صوب إيران.

وقد قابلت الرياض هذه الاستدارة بأحسن منها حيث قدمت دعما ماليا وسياسيا هاما للسودان الذي يعيش وضعا اقتصاديا صعبا. ولعل أفضل هدية كانت مساهمة المملكة في تطبيع العلاقات بين الخرطوم وواشنطن.

ووصف السفير أحمد أنيس، مدير مكتب يونيسف الأسبق بالشرق الأوسط، تخفيف العقوبات الأميركية عن السودان، بالخطوة الإيجابية، وأرجعها إلى توقعات أميركية بما يمكن أن يقدمه السودان في المستقبل، وليس فقط إلى الخطوات التي اتخذها نظام الخرطوم، في وقف التعاون مع الإرهابيين.

وأضاف في تصريحات خاصة لـ “العرب” أن الولايات المتحدة، تستخدم سياسة “العصا والجزرة” مع السودان، منذ فترة طويلة، وخلال السنوات العشر الأخيرة كان هناك الكثير من الضغط على النظام السوداني، غير أن هذا الضغط، لم يُجدِ نفعا.

ويرى مراقبون أن المعارضة السودانية ستكون الخاسر الأكبر من التغير في الموقف الأميركي تجاه الخرطوم، وتأمل في أن ينسف الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب هذه الإيجابية على خط واشنطن-الخرطوم.

ومعلوم أن القرار النهائي المتعلق برفع العقوبات الأميركية عن السودان هو بيد ترامب المعروف عنه رفضه للإسلاميين الذين ينتمي إليهم البشير. ولكن، ووفق متابعين، فإن الرهان على ترامب ليس واقعيا باعتبار أن منطق المصالح يرجح كفة النظام في الظرفية الحالية للمنطقة.

2