المعارضة السورية.. إحياء الحكومة الانتقالية

السبت 2013/11/16

كانت خطوة مفاجئة أن يقوم الائتلاف السوري المعارض، وفي خضم النقاش المحتدم حول المشاركة في مؤتمر جنيف2، بإعلان تشكيل حكومة انتقالية لإدارة المناطق المحررة والتي لا تزال تخضع إلى سيطرة المعارضة. لتكتمل المفاجأة مع إعلان الأكراد بعد ساعات فقط عن إعلان الائتلاف، تشكيل «مجلس الإدارة المدنية الانتقالية في غرب كردستان».

تلف حالة من التشتت قوى الثورة السورية. إذ تُخيّم الفوضى على مختلف المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. كما تبدو الفوضى العنوان الأبرز لكافة القوى، فالصراعات بين الكتائب المسلحة لم تأخذ في أي يوم هذا المنحى التدميري، كما باتت تأخذه اليوم مع استجماع النظام السوري وحلفاءه الطائفيين لقواهم ومعاودة الهجوم.

فيما تمنع الفوضى المريعة في المناطق المحررة، بالإضافة إلى القصف الهمجي اليومي، عودة السكان إلى مناطقهم ومباشرة حياتهم اليومية، واستعادة الفاعلية الاجتماعية والسياسية المفقودة مع تغييبهم قسرا عن ثورتهم.

يرزح المدنيون الذين قرروا الاستقرار في المناطق المحررة تحت ظروف معيشية وأمنية شديدة القسوة. فظاهرة الخطف والسلب والقتل باتت تطال الجميع. كما تغيب الخدمات من صحة وتعليم وكهرباء وماء ومحروقات وصرف صحي، عن هذه المناطق. وذلك رغم سيطرة الكتائب المعارضة على معظم آبار النفط، وانفتاح الحدود التركية السورية على مصراعيها لإدخال المواد الضرورية وتطوير الخدمات. وحتى مع تشكيل عدد لا يحصى من الهيئات الشرعية والمجالس المحلية المسؤولة عن إدارة شؤون المدنيين، كان الفشل هو العنوان الأبرز لجميع تلك المحاولات. من هنا، كانت الإدارة المدنية المركزية والقوية للمناطق المحررة ضرورة ملحة، ليس اليوم، وإنما قبل عام أو أكثر. إنها المهمّة الحيوية التي سقطت، مثل عشرات المهمات، من أجندة عمل المجلس الوطني السوري ومن بعده الائتلاف السوري وجميع قوى المعارضة السورية.

ورغم طرح الائتلاف مهمّة تشكيل حكومة انتقالية قبل نحو عام، بل وتسمية رئيس لها هو السيد غسان هيتو، عجز عن السير بها خطوة واحدة إلى الأمام. والحال أنه أدخلها في غيبوبة قسرية بعد مجموعة ضغوط من قبل الإدارة الأميركية والدول الأوروبية التي عقدت رهانها على حل سياسي يبدأ بتشكيل حكومة توافقية تجمع المعارضة والنظام. ولم ترغب في ما يعكر صفو رهاناتها الفاشلة.

تُبرز تلك الحادثة أحد أهم نقاط الضعف في الثورة السورية، إذ لم توجد معارضة رصينة تعمل بوحي من حاجات الثورة لدفعها إلى الأمام، فعملت المعارضة السورية بوحي من الضغوط والمبادرات الدولية. وكأن جُل أطراف المعارضة قد باتت تابعة وممثلة لمصالح دول أكثر منها إلى الثورة والشعب. هكذا اتسعت الهوة بينها من جهة، وبين الثورة ومطامحها من جهة أخرى، وبرز لاعب جديد على الأرض هو الكتائب المسلحة.

تطور نفوذ المكون العسكري للثورة، واكتسب استقلالية متزايدة، وراح يبتعد عن الائتلاف وحتى عن القوى الدولية التي تبيع الكلام المعسول عن التسليح فيما تمنع السلاح الذي يمكن أن يغير سير المعارك عن الثورة. ليجد الائتلاف المعارض نفسه خارج دائرة الفعل السياسي، وقد كان ذات يوم في مركزها، وظن أنه يتمدّد ليملأ جميع تفاصيلها من دون أن يترك فيها أية مساحة. وإذا به اليوم على هامشها، ويكاد يخرج منها. يسعى الائتلاف المعارض اليوم، للعودة إلى الفاعلية السياسية من باب العمل الميداني عبر الحكومة الانتقالية الوليدة. فحصة الأسد التي كان يستحوذ عليها في صفوف التمثيل السياسي للثورة تآكلت يوما بعد آخر. خصوصا مع سيادة نوع من الرخاوة التنظيمية في هيكليته وأدائه، وتجذّر الخلافات بين الأعضاء والكتل في داخله.

هكذا، صمّ الائتلاف الوطني السوري، وللمرة الأولى، آذانه عن الرفض الأميركي والأوروبي لتشكيل أي حكومة معارضة، وأحيا من جديد الحكومة الانتقالية التي كان قد أدخلها الغيبوبة بنفسه قبل أكثر من عام.

لكن، وكما في كل مرة، إذ تهرب المعارضة من مشاكلها الداخلية، ومن المؤامرة الدولية والإقليمية على الثورة السورية، إلى تشكيل جسم تنظيمي جديد يحمل ذات الأمراض والعيوب، مفترضة أنه الحل. وكما لم يَحُل تشكيل الائتلاف الوطني في الدوحة معضلة عدم فاعلية المجلس الوطني السوري السابق عليه، فليس بالضرورة أن تحل الحكومة الانتقالية المشكلة في إسطنبول المعضلة إياها. بل وقد تضيف إليها المزيد من التعقيدات.

أولى التعقيدات الجديدة أطلت برأسها من نافذة المكون الكردي في سوريا الذي أعلن تشكيل مجلس الإدارة المدنية المؤقتة في رد واضح على إعلان الائتلاف السوري تشكيل الحكومة الانتقالية. ويوصف الأكراد بأنهم المستفيد الأكبر من «حرب الجماعات» المندلعة في الثورة، والتي أتاحت لهم تشكّل تنظيم أقوى، ليندمج ذلك مع التشكل القومي وينتج عنه إحكام سيطرتهم على مناطق واسعة في شمال وشمال شرق سوريا، وما يرافق ذلك من تنام للنزعة الانفصالية.

والحال أن هذا التعقيد الإضافي الذي رافق إعلان الحكومة الانتقالية، لن يكون سوى غيضٌ من فيض. فالتحدي الأبرز هو المباشرة الفعلية في إدارة المناطق المحررة في ظل سيطرة جماعات إسلامية متطرفة، ترفض الاعتراف بالائتلاف المعارض وبحكومته.

ليس ثمة ما يؤشر إلى أن الخطوة الحالية تنطوي على بذور نجاح، تجعلها تختلف عن خطوات الفشل المتعاقبة التي تميزت بها المعارضة. ربما باستثناء أن الائتلاف، وهو يرزح تحت ضغوط دولية متصاعدة، وفي ظل ضعفه الشديد وغيابه عن الميدان، سوف يعمل بجهد استثنائي هذه المرة من أجل تعزيز نفوذه في الداخل. هي نقمة وليست نعمة، أن تكون الأفكار والجهود التي يمكن أن تخدم الثورة بالفعل، نابعة من الصراعات على النفوذ في صفوف قوى المعارضة المختلفة.


كاتب فلسطيني

8