المعارضة السورية: التنازع على الفوضى

الأربعاء 2014/10/22

تكشف التطورات الأخيرة، في الحالة السورية، خاصة على جبهة عين العرب/ كوباني، أمرين أساسيين؛ أولاهما مبلغ الضعف والوهن الذي وصلت إليه المعارضة السورية، على مختلف الأوجه. وثانيهما أن الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب تعمل وفقا لاستراتيجيات منفردة، تعزز مصالحها، دون التنسيق أو التشاور في حده الأدنى مع قوى المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، لضمان نجاعة عملياتها في محاربة داعش ولجم تقدمها، والوضع في عين العرب/ كوباني مثال على الغموض الذي لا تزال تنتهجه واشنطن في مواقفها المتناقضة وغير المستعجلة أحيانا، بين وضع الكرة في الملعب التركي، وتسليح الأكراد المفاجئ، ما يفسر بحثها عن شريك مفقود في المنطقة، لم تستطع مؤسسات المعارضة: الائتلاف والحكومة والأركان، أن تكون هي الشريك الموثوق.

ترافق ذلك مع سبات العمل السياسي وانحدار مؤسسات المعارضة إلى مستوى متدنّ، يُشعر بانتهاء وظيفتها، مع غياب كامل لأي دور يمكن أن تقوم به، بالنظر للتجاذبات الإقليمية والدولية الراعية لتيارات المعارضة من جهة، وللخلافات التي تتجذر إثر كل استحقاق فيما بين القوى والتكتلات المكونة لمؤسسات المعارضة، وعلى الرغم من التحديات فإنها لم تتوصل إلى توافق حول المشتركات، بما في ذلك التصورات بشأن المستقبل.

قادت تنازعاتها على قضايا مرحلية إجرائية إلى انكفاء تدريجي لدور الائتلاف -على هشاشته- فاغتنمت حركة الإخوان المسلمين الفرصة، واستعادت سيطرتها على مفاصل المعارضة، وبالتالي الاستحواذ على صناعة القرار وتوجيه السياسات داخل الائتلاف. بما يعطي مؤشرا حقيقيا دالا على انفراط العقد الواهن لتيار التوسعة (الديمقراطي) الذي وُجد لتحقيق توازن ينهي سيطرة اليمين السوري، بسبب نزاعات فردية على مراكز القوى والقيادة، وبروز ظاهرتي شراء الأصوات والفساد المالي والإداري اللتين شملتا كل الكتل، فعجزت هذه القوى عن التقدم خطوة باتجاه مقاربة الحالة السورية الدامية.

تبّدى ذلك بوضوح في إعادة اختيار أحمد طعمة لرئاسة حكومة انتقالية، بعد إقالته من قبل الهيئة العامة للائتلاف، بسبب فشله في إدارة الملفات الوطنية، وسوء في ممارسة الاختصاصات وتجاوزاتها، إضافة للفساد الإداري والمالي، وتبعيته المطلقة للإخوان، ومناطقيته. جرت المساومات وفقا لتحالفات الانتقام والمصالح الآنية الضيقة، الانتقام بين أطراف سورية، وليس لذلك صلة بالاختلاف على مشروعات ورؤى للعمل الوطني السوري.

فجاءت تلك الحادثة لتوضح استعلاء جماعة الإخوان المسلمين واستهتارها بمسألة التوافق الوطني والعمل الجماعي، ومنازعتها خلافا لمصالح السوريين، من أجل استعادة دورها وفرض نفسها بالقوة “كما جرى داخل الائتلاف” تمهيدا لإعادة إنتاجها بعد الخسارات التي منيت بها في كل من مصر وليبيا واليمن، ولم تستطع بناء ثقة حقيقية مع الشارع السوري عبر مسلكيات الحركة في اليومي المعاش منذ امتطائها الثورة السورية، ولعِبِ دورٍا أساسيا في أسلمتها وعسكرتها. وهو الأمر الذي قاد لاحقا لظهور المجموعات الإسلامية المسلحة التي ساهمت بشكل كبير في إجهاض تجارب الإدارة الانتقالية، والعمل المدني، عبر الإقصاء والتهميش، وصولا إلى التشدد الذي بلور ظهور جبهة النصرة وداعش.

الواقع أن جميع قوى المعارضة المكونة للائتلاف وغيرها، وهي تتحمل جزءا أساسيا فيما آل إليه حال السوريين، قد خسرت ما تبقى لها من مصداقية، أمام الذين ادّعت تمثيلهم ولم تتمكن من حيازة ثقتهم، وأمام المجتمع الدولي الذي منحها اعترافا أعرجَ، ولكنه بالمقابل لم يمتلك برامج عمل، تدفع بأصدقاء سوريا لتقديم دعم فعّال، حتى في المستوى السياسي. فجاء كل دعم مبتورا لا يقود إلى حسم أية مسألة وطنية، أو يؤدي إلى تغيير جوهري في معادلة الصراع من أجل الحرية. وقد تسببت تناحرات المعارضة في تراجع الموقف الدولي الداعم للسوريين، مقابل استمرار حلفاء دمشق بتعهداتهم، ما مكن نظام الأسد من مواصلة ارتكاب المجازر اليومية، وفرص الحصار والقصف اليومي للمدنيين، تحت مرأى ومسمع ومعرفة المجتمع الدولي الذي يغض الطرف عن ممارسات النظام، بما في ذلك الطلعات الجوية التي تشكل صورة تبادلية مع طلعات طيران الحلفاء بالتناوب.

لقد كان بوسع المعارضة السورية، اغتنام فرصة قيام تحالف دولي لمحاربة الإرهاب، لدفع المجتمع الدولي لاعتبار كل القوى العسكرية غير السورية، إرهابية دخيلة، تتحمل الدول الراعية لها مسؤولية منعها من عبور الحدود، وارتكاب الجرائم التي لا تقل فظاعة عن جرائم “الدولة الإسلامية” فحسب، بل تتفوق عليها. وهي حزب الله، والميليشيات الإيرانية والعراقية، أسوة بجبهة النصرة وداعش. إهدار فرصة كهذه، يماثل تماما إضاعة الفرصة التي منحتها مفاوضات جنيف 2، لو أنها ذهبت إليها وفقاً لرؤية، واستراتيجيات عمل واضحة، وتفاهم وتنسيق بين مختلف القوى والمكونات.

لقد اعتادت المعارضة ألا تضع نفسها أمام أية مساءلة تستهدف التقويم والتصويب، وأن تنأى عن محاسبة أعضائها المتورطين بقضايا الفساد المتعدد الأوجه. مثال ذلك: إعادة طعمة بعد حادثة أطفال اللقاح، دون اعتبار للمسؤولية الأخلاقية والقانونية، وفي ظل أخطاء حكومية عديدة خاصة في التعليم وقضية المناهج، والمنح. يمكننا أن نضيف حالة الإرباك والفوضى والفساد وموالاة القوى الخارجية الإقليمية والدولية التي تتحكم بسياسات المعارضة بصورة مباشرة، ما يفقد الأمل لدى السوريين بأي أمل في إصلاح المعارضة كي تتوجه، جديا، نحو الوصول إلى حل يوقف القتل اليومي، ويصون كرامة النازح واللاجئ السوري في الحدّ الأدنى.

لا شك في أن تناحر القوى الديمقراطية وضعف حيلتها، سيمنحان اليمين الإسلامي فرصة قد لا تتكرر كتيار معارض معتدل، يمكن أن يتولى لاحقاً إدارة المناطق غير الخاضعة لسلطة النظام، بدعم قطري- تركي، إذا ما نجح التحالف فعلا في تحجيم “داعش”، تمهيدا لقيادة المرحلة المقبلة نحو تسوية مع النظام، ومع إسرائيل لن يتأخر الإخوان المسلمون عنها. وسوف تجعل القوى الديمقراطية المدنية نفسها خارج دائرة الفعل في الحدث السوري الراهن، وفي المستقبل.


كاتب سوري

9