المعارضة السورية في مهب الريح

الأربعاء 2014/11/26

عامان على تشكيل الائتلاف الوطني بكل ما رافق ذلك من تناحر، وتوجّس وشعور بالاستياء، وبالخوف من هذا الكائن الذي تأكد أنه قد ولد مشوّهاً معاقاً، يبدو اليوم أنه قد دخل نفقاً طويلاً معتماً لا آخر له. فلم يستطع الائتلاف سوى تجذير الانقسام داخل المعارضة السورية، وتعميق اختلافاتها على كل المستويات، وشكل حالة فريدة في استخدام المال السياسي، وارتهان قراره بالأطراف الإقليمية والدولية المكونة له، والمؤثرة فيه. ولم يستطع أن يكون ممثلاً حقيقيا للثورة السورية، بعد أربع سنوات على انطلاقتها.

جاءت ولادة الائتلاف الوطني في نوفمبر 2012 في محاولة لإعادة تنظيم صفوف المعارضة، التي أعاق تشرذمها تحقيق أي إنجازات فعالة على الصعيد الوطني، وفي مقدمتها وضع استراتيجية بناءة للعمل، تلتزم بها كافة القوى والتيارات المكونة آنذاك للمجلس الوطني. الإخفاقات في التوصل إلى تفاهمات حول القضايا الأساسية، اصطدمت بتصورات آنية مرحلية، ومصالح حزبية، وسعي للاستحواذ على القرار، فوصل المجلس الوطني إلى مأزق، لم تستطع التوسعة التي استحدثها، أن تقوده إلى بر الأمان، بل كانت مؤشراً على استمرار الإشكاليات المتصلة بالتمثيل والمحاصصة. وفي الوقت نفسه كانت ثمة جهود تُبذل لإنشاء مؤسسات بديلة عن المجلس الوطني، كان الائتلاف الذي التقط الداعمون السياسيون للثورة السوريه خيوطه الأولى- أو أنهم نسجوها- الأوفر حظاً بما تلقّاه من دعم سياسي ومالي إقليمي ودولي مباشر.

تضمّنت تشكيلة الائتلاف، الشخصيات التي كانت تهيمن على المجلس الوطني، وتسببت إلى حدّ كبير في الأزمات التي عصفت به، وكان من الطبيعي، أن تنقل هذا الإرث من المشكلات، التي لم تعمل الأطراف المعنية بشكل جدي، على إيجاد حلول لها، إلى الإطار الجديد للمعارضة المتمثل بالائتلاف، يضاف إلى ذلك الطريقة التي تم فيها اختيار الأعضاء المؤسسين، بمعايير غير موضوعية، أثبتت تجربة العامين، خطأها.

تفتقد مؤسسات المعارضة، بشكل رئيس، إلى استراتيجية وطنية شاملة، تجيب على أسئلة الواقع السوري، ومتطلبات المرحلة، وآليات وخطط العمل من أجل الوصول إلى الأهداف الكبرى للثورة السورية، وهي الحرية واستعادة الكرامة الوطنية. عجز المجلس الوطني وكذلك الائتلاف في أي إنجاز من هذا النوع، مع تغير شبه دائم لمعطيات الواقع، بما قاد الثورة بعيداً عن الوصول إلى أهدافها التي قامت من أجلها. عمّت الفوضى صفوف المعارضة، وكان التشتت والشرذمة وتعدد مصادر التمويل سبباً مباشراً لذلك.

تتمحور الخلافات في مؤسسات المعارضة، حول الهيمنة عليها، والاستحواذ على مركز القرار، بما يعكس خلافات القوى الإقليمية الداعمة لكل من تيارات وأطراف المعارضة. لم تكن- حتى الآن- الخلافات حول قضايا جوهرية، معنية بخطط وبرامج عمل، أو حول سياسات المعارضة، وغير ذلك. بل إن الفساد السياسي والإداري قد لحق بجميع مكونات الائتلاف بشكل خاص، تبدّى ذلك في دوارات انعقاده التي تشهد في كل مرّة الخلافات ذاتها، مع تطور الانقسام بصورة أفقية وشاقولية، أصبح معها التوافق شبه مستحيل.

أدى ذلك إلى إضعاف المعارضة السورية أمام نظام الأسد، الذي يعمل ككتلة واحدة، مع أنصاره وداعميه. وفي الوقت الذي يواصل فيه النظام ارتكاب المجازر اليومية بحق السوريين، كانت مؤسسات المعارضة: الائتلاف بمكوناته السياسية وهيئاته الثلاث: الحكومة المؤقتة والأركان، تفتقد إلى شرعية التمثيل الثوري، الذي فشلت في الحصول عليه من الدور الذي يفترض أن تقوم به. هذه مسألة جوهرية، أطاحت بالمجلس الوطني، كما تطيح بالائتلاف.

ما تحقق فعلياً هو انكشاف ضعف المعارضة وهشاشتها، وعدم قدرتها على القيام بأي دور على الصعيدين الوطني والدولي. محلياً خسرت متانتها التي تحققت لها مع العام الأول للثورة، بالتفاف جماهيري واسع لقوى الحراك الثوري السلمي والمسلح، فاكتسب المجلس الوطني آنذاك شرعيته الثورية، التي لم يستطع المحافظة عليها، بسبب انغماسه في الخلافات، وابتعاده عن مهامه الأساسية، وبالتالي عدم تمكنه من مواكبة تطورات الفعل في الداخل السوري، أو الاستجابة الفعالة لمتطلبات، وغياب أي برامج رافعة للنضال الوطني ضد الاستبداد.

الائتلاف الوطني منذ تشكيله، لم يحظَ بالشرعية الثورية، وظل تشكيله مثار توجّس وقلق، ولم يستطع أن يبني جسور التواصل مع قوى الداخل والخارج، كإطار وطني شامل وجامع لمعظم قوى المعارضة. وفي ظلّه شهدت الساحة الوطنية تفرّقاً وفوضى في السلاح، التي كان المجلس الوطني، قد تغاضى عن إشراع أبوابها في ردهاته الخلفية. وفي حُمّى الصراعات على العضوية، والمكاسب والمناصب، والتحالفات مع القوى الإقليمية، افتقدت مؤسسات المعارضة القدرة على إقناع المجتمع الدولي، لتعزيز دعمه السياسي والمادي للثورة السورية، ليتراجع هذا الدعم إلى أدنى مستوياته، بسبب أداء الائتلاف والمجلس الوطني، دون أن نغفل الأسباب الجوهرية المتصلة بضعف أو برودة الدعم الدولي للثورة السورية، وهي أسباب تتصل ببنية المعارضة، ومستقبل الدولة والعلاقة مع إسرائيل. يضاف إلى ذلك أن القضية السورية، أضحت واحدة من تجليات الصراع الدولي في المنطقة، بما في ذلك دور إيران في المنطقة.

غير أن المعارضة السورية، بقياداتها التي لم تستطع إنجاز برنامج وطني، وإستراتيجية عمل واضحة، تتحمل مسؤوليات أساسية فيما آلت إليه الأوضاع في سوريا. لاشك أن نظام الأسد الإجرامي، يلعب دوراً محورياً غير مباشر، عبر أطراف إقليمية ودولية، تعمّق الإنقسام، وعبر اشتغاله على مكونات المعارضة في الداخل السوري وسعيه الدائم إلى تفتيت قواها، بكل الوسائل الممكنة وفي مقدمها القتل والتدمير والاعتقال والتهجير، فيما تقف المعارضة غير قادرة على فعل أي شيء. ويبدو النظام- حقيقة- أول وأهم المستفيدين من حالة المعارضة الهشة والمتردية.

يضاف إلى ذلك دخول قوى الظلامية الإسلامية المتمثلة بوجه خاص في جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” اللتين غنمتا فرص التسلح والفوضى القائمة في المناطق غير الخاضعة لسلطة النظام، لتملأ فراغاً عجز الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة عن المبادرة إلى ملئه، بتولي زمام الإدارة الانتقالية، التي تتولى خدمة المجتمعات المحلية.

لا شك أن ما يجري اليوم في أروقة الائتلاف الوطني من تخاصم، يعود إلى عقلية التهميش والإقصاء التي تمارسها أطراف محددة، وكذلك إلى غياب الفهم الحقيقي لجوهر الممارسة الديمقراطية، في ظل سيطرة قوى وأشخاص، تسبّبت جميعا في الابتعاد عن مسار الثورة السورية.. بل وضعتها في مهب الريح.


كاتب سوري

8