المعارضة السورية من القاهرة إلى الرياض

الجمعة 2015/06/05

تنشغل الساحة السورية هذه الأيام بمؤتمرين، الأول سيُعقد في القاهرة الأسبوع المقبل، والثاني يجري الإعداد لعقده بعد مؤتمر القاهرة بأسابيع قليلة، ويبدو من طريقة تعاطي المعارضات السورية مع هذين المؤتمرين أن هناك اختلافا في غايات كل منهما، رغم أنهما، ظاهرياً، مُكمّلان لبعضهما.

مؤتمر القاهرة هو ثمرة جهد لمعارضين سوريين متنوعي الانتماءات السياسية والتنظيمية، ورغم أنه سيُعقد برعاية مصرية غير رسمية إلا أنه يحظى برضى مصري رسمي، وهدفه المُعلن وفق منظميه هو رسم ملامح رؤية مشتركة للمعارضة السورية، ووضع خارطة طريق للحل السياسي لأزمة بلدهم وفق حد أدنى هو مرجعية بيان جنيف الذي توافقت عليه الدول الكبرى، أي مرحلة انتقالية عبر حكومة ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، وقوام هذا المؤتمر معارضون مستقلون وممثلون لبعض التيارات المعارضة أو أجزاء منها، ولن يَنتُج عنه إطار سياسي جديد للمعارضة ولا قيادة جديدة كما صرح بعض أعضاء اللجنة التنظيمية، وإنما أوراق ووثائق يُعتمد عليها حين يأتي وقت المفاوضات مع النظام، إن أتى طبعاً.

أما مؤتمر الرياض، فهو أمر آخر في محتواه وأهدافه، وخطوة متقدّمة عن سابقه، فهو بالأساس دعوة من السعودية وليس من المعارضة السورية، هدفه مساعدة هذه المعارضة لتحقيق أهداف الثورة بإقامة نظام تعددي ديمقراطي من خلال اختيار لجنة سياسية دون مؤسسات تابعة لها، من أصحاب الخبرة والقدرة السياسية المشهود لها، وسيتم الحصول على اعتراف دولي بها كلجنة تُلقى عليها أعباء مرحلة التفاوض وفق مرجعية جنيف. وهذا المؤتمر لن يؤسس بدائل عن قوى المعارضة السورية بل سيخلق إطارا مشتركا لقيادتها لتحقيق أهدافها التي من المُفترض أن يرسمها مؤتمر القاهرة.

إن كانت هذه هي أهداف كل مؤتمر، فإنهما مؤتمران يكّملان بعضهما بجدارة، وعليه فإنه في الغالب سيضم مؤتمر الرياض جزءاً من المشاركين في مؤتمر القاهرة، وسيُضاف إليهم جزء من المعارضة السورية التي قاطعت مؤتمر القاهرة بسبب خلافات بين المنظمين أو بسبب موقف مصر من بعضهم.

ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية اتّخذ موقفاً سلبياً من اجتماع القاهرة على خلفية استبعاد الإخوان من المشاركة به وقرر أن يُقاطعه، فيما أعرب كثيرون من قادة الائتلاف أنهم سيشاركون في مؤتمر القاهرة دون تردد، بل ذهبوا لاستباق الأمور والإعلان، بشكل مسبق، أن مؤتمر الرياض ستكون له مخرجات إيجابية وجيدة، يمكن أن يُبنى عليها في المرحلة المقبلة.

البعض الأكبر من ممثلي الجيش الحر والكتائب المقاتلة لن تحضر مؤتمر القاهرة لأنه لن يذكر أولوية الحل العسكري وأولوية تنحي الأسد قبل أي مفاوضات، وهو ما يعتبرونه شرطا لازما وكاف لحضورهم، وأعلن كثير منهم أن دعوة مؤتمر الرياض مُلبّاة قبل أن يعرفوا إن كانت ستوجه لهم أم لا، وبالمقابل فإن البعض الأقل الآخر من ممثلي الجيش السوري الحر ممن يؤمنون بالحل السياسي وأن بندقيتهم للدفاع وليست للهجوم، سيحضرون مؤتمر القاهرة والرياض إن دعوا إليهما.

هيئة التنسيق التي نخرتها مؤخراً خلافات داخلية ستحضر إلى القاهرة، وستتعامل مع المؤتمر بحذر خوفاً من أن يتشكل أي جسم سياسي نتيجته وهو أمر قد لا تحتمله بنيتها الهشة، كما أن قادتها أعلنوا أنهم سيحضرون مؤتمر السعودية إن دعوا إليه، وهي أول مرة يوافقون فيها على التعامل مع مبادرة سعودية دون قيد أو شرط.

من الخطأ استباق الأحداث وافتراض نجاح المؤتمرين، فمازالت هناك مواقف متناقضة من أطراف المعارضة السورية تجاه المؤتَمَرَين. فالقوى المستقلة وبعض قوى المعارضة السورية، السياسية والمسلحة، تدعم مؤتمر القاهرة وتريده بإلحاح، فيما يتحفظ ائتلاف قوى الثورة وهيئة التنسيق اللذان يخشيان أن يتشكل بنهايته كيان سياسي يحل محلهما، وكذلك يخشى بعض المعارضين السوريين ممن لا يملكون الإمكانيات لقيادة المعارضة أن يَكشِف مؤتمر الرياض ضعفهم وسطحيتهم، مقابل إظهار معارضين أكثر كفاءة وقدرة على قيادة العمل السياسي المعارض والمفاوضات المحتملة.

قد ينتج عن هذين المؤتمرين ما هو لصالح السوريين، وقد يتفقون على برنامج عمل موحّد أو لجنة أو كيان تساعدهم على المضي قدماً في إنقاذ الشعب السوري، ومكافحة إرهاب النظام وحلفائه والجماعات المتطرفة التي يُقال إنها ضدّه، ومواجهة قضية اللاجئين السوريين، عندها فإن المؤتمرين، أو بالأحرى، الجهد العربي المُنسّق، سيكون بالفعل هو بداية طريق الخلاص للسوريين، وهو ما يأمله الكثيرون، وإن لم ينتج أي شيء عنهما فستكونان مبادرتان من ضمن عشرات المبادرات التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

تأمل الغالبية العظمى من السوريين الذين يدفعون الدماء والخسائر ويتحملون القمع والقتل والتدمير والنزوح، أن ينجح هذان المؤتمران، وأن يساعدا في وضع حد لكل تلك الكوارث، كما تأمل أن لا تُضيّع قوى المعارضة السورية الفرصة التي ستتيحها العاصمتان العربيتان، وأن تتصرف هذه القوى المعارضة بمسؤولية، ولو لمرة واحدة، لتصل إلى وحدة رؤية وهدف وبرنامج واضح تُرغم المجتمع الدولي على تبنّيه.

إعلامي سوري

8