المعارضة السورية وآليات إسقاط النظام

السبت 2015/03/28

تمر سوريا الآن بأسوأ مرحلة في تاريخها الحديث، فهي لم تشهد دمارا وقتلا وتشريدا بهذا الحجم من قبل، ولم يُقتل من أبنائها طيلة الحروب التي خاضتها خلال قرون بحجم ما قُتل في الأربع سنوات الأخيرة، وتعيش حالة استثنائية من الموت والخراب والتشرذم المجتمعي والانهيار الصحي والاقتصادي والهجرة الداخلية واللجوء الخارجي، مع عجز داخلي ودولي لحل الأزمة الكارثية.

وسط كل هذا الدمار شبه المميت، من العقم التفكير بأن النظام سيقدّم أي أمل للسوريين بغد أفضل، أو أنه سيُفكر بمستقبلهم، ومن الصعوبة بمكان تخيّل أنه سيتجاوب مع رغبات الشعب، فشريعة البقاء هي الإستراتيجية الوحيدة التي يسير عليها.

كان لا بد للمعارضة السورية أن تفكّر بالمستقبل، فهي – نظريا – أمل المقهورين، لكن الكثير من المعارضين لم يعرفوا أي مستقبل يجب التفكير به، وقفزوا إلى الزمن التالي، ما بعد سقوط النظام، وأشبعوه دراسات وخططا، وصُرفت الملايين على بحوث لم يستفد منها أي سوري قيد أنملة، وأكاد أجزم بأنه لن يستفيد.

من الواضح أن خمسة عقود من تدمير النظام للمجتمع والقيم والمفاهيم أثّرت على الكثير من المعارضين، فتابعوا – دون درايتهم أو بدرايتهم – مسيرته، وحملوا نفس فيروسات الفساد التي نخرت سوريا طوال خمسين عاما.

طرح الكثير من قوى المعارضة خططا لمستقبل سوريا وآليات للحكم ووصفا وبرامج لما بعد سقوط النظام، وأسسوا مراكز وبيوت خبرة ومؤسسات للبحث والتحليل ورسموا سياسات اليوم التالي لسقوط النظام، شارك فيها عدد كبير من المعارضين، ركّزت على ما بعد سقوط النظام ولم تضع سيناريوهات أو حلولا ومخارج لكيفية وآليات إسقاطه، وقفزت مباشرة إلى زمن تال مفترضة أن النظام سقط وانتصرت المعارضة واستلمت زمام الحكم وحدها وبدأت بترميم وبناء الدولة وفق ما تريد وحسب تفصيلها.

وضع معارضون سوريون، رؤساء تلك المراكز، تصورات لكيفية إعادة بناء سوريا، ورسموا خططا وتصورات لدستورها، ولبناء منظومتها القانونية والتعليمية والصحية والاقتصادية، وعلاقة الدولة بالدين والمجتمع، ونظام الدولة السياسي والبرلماني، ولم يبق مجال حيوي في بناء الدولة إلا وتطوعوا لتقديم رؤية حوله، ورُصدت أموال طائلة لوضع خطط للتحول الديمقراطي، وأخرى للتحول السياسي، وثالثة للإصلاح الاقتصادي ورابعة وخامسة وعاشرة.

يمكن الجزم بأن كل ما تم التخطيط له ودراسته كان حبرا على ورق وسيبقى كذلك طالما أن الحرب لم تضع أوزارها، وطالما أن سقوط النظام أمر غير معروف زمنه ولا الظرف الذي سيسقط فيه، وكذلك استلام المعارضة – المتصدرة حاليا- أمر غير مكفول، فالحرب المستمرة المُدمّرة قد تدفع النظام السياسي الجديد الذي سيحكم سوريا إلى وضع خطط لبناء دولة من الصفر، لا وضع خطط للتحول والإصلاح.

لا شك أن بعض نُخب المعارضة السورية بات حالما نظريا ولا يعرف ماذا يريد، وبات همه أن يُنجز ما رُصد المال من أجله، بغض النظر عن فائدته، فانفصل عن الواقع، كما النظام السوري انفصل عن الواقع قبل أربع سنوات حين أعلن أنه قادر على إنهاء الانتفاضة خلال أسابيع.

يعرف أولئك المعارضون أن الأولوية الآن هي لوضع خطط لإنهاء الحرب والعنف لا لوضع خطط الإصلاح والبناء، لكن المصالح تقتضي دراسة مستقبل غامض، بدراسات وخطط غير واقعية تسبق وقتها، ليست صالحة لكل زمان، ومرتبطة بواقع سوري يتغير كل يوم.

لم يتطرق “بائعوا السمك بالبحر” بدراساتهم للمرحلة الراهنة، ولا لمرحلة ما قبل سقوط النظام، وركّزوا فقط على المرحلة اللاحقة، مقدّمين دراسات جامعية لا تستحق ما صُرف عليها، متناسين الاحتقان الطائفي والإثني الذي سيصيب أي عملية تنمية اقتصادية، والدمار غير المحدود الذي سيشل أي قوة محلّية، وغضوا الطرف عن موات السلم الأهلي وفقدان الأمن والاحتقان المجتمعي بين مكونات النسيج الاجتماعي السوري، وتناسوا المحاصصات والتجاذبات السياسية والدينية والإثنية، ورموز النظام المتمسكين بمناصبهم حتى الموت، والجيش المنهار وجهاز الأمن الطائفي وأمراء الحروب.

تناسى القائمون على تلك المؤسسات “المستقبلية” أن إمكانية تطبيق خطة التحول الديمقراطي في سوريا في الوضع الراهن أمر وهمي، وأن لأي خطة أو دراسة صلاحية زمنية، ترتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة ونظم الحكم والإطار الإقليمي والدولي لأي حل، كما أن نجاح أي خطة يعتمد على وجود مؤسسات قوية قادرة على تطبيقها.

قفز أولئك نحو المستقبل بسرعة، أشبعوه دراسة وتخطيطا، وجهّزوا البرامج السياسية والعسكرية والإنمائية والمجتمعية والصحية والتعليمية لما بعد سقوط النظام، وباعوا جلد الدب قبل صيده، بدراسات تنسفها الأحداث المتسارعة والدموية من جذورها.

لا شك أن إحـدى مهـام المعـارضة السـورية هي التفكير بالمستقبل ما بعد سقوط النظام، لكن الأهم هو وضع خطط لكيفية وآلية إسقاطه، خطط لليوم والغد قبل وضع خطط الشهر المقبل، وهناك خشية مشروعة من أن تتحول الثورة السورية إلى تنافس وصـراع على تـوزيع قطعة الجبن، دون أن يبقى للشعب السوري أي شيء يأكله أو حتى يتذوق طعمه، وأن تصبح الثورة ملهاة للبعض وسوقا تباع فيها الأوهام وتُشترى.

إعلامي سوري

9