المعارضة السورية والسياسة الأميركية

الثلاثاء 2014/08/26

حددت المعارضة السورية، ممثلة بالمجلس الوطني ولاحقا بالائتلاف الوطني، علاقتها بالسياسة الأميركية، بكونها تابعة لها. فهي تفهم الهيمنة على العالم بكونها أميركية. وبالتالي فإن أميركا هي الوحيدة القادرة على مساعدتها على إسقاط النظام، وتستند المعارضة في ذلك على إسقاط أميركا لنظام صدام حسين، وكذلك مساعدة المعارضة الليبية في إسقاط معمر القذافي.

مرت ثلاث سنوات على الثورة السورية، وكان التدخل الأميركي لجهة دفع المعارضة نحو التبعية أكثر فأكثر والإجهاز على الثورة، مقابل السماح بتمدد الجهاديات بكل أشكالها، فقُضي على الجيش الحر، وفُكك المجلس الوطني، ومُنع كل تسليح جدي للمعارضة، وهو ما أنقذ النظام أكثر من مرة من احتمال سقوطه، وكأن أميركا لا تريد إسقاط النظام، أو أنها تريد إنهاك إيران وحزب الله، وإدخال المنطقة في ما يشبه الحروب الطائفية وتعميق الانقسام المجتمعي. تأخر الدعم أوصل الثورة إلى طغيان الجهاديات، وها هي داعش تجتاح المنطقة الشرقية وكأنها جراد ينقضّ على سهل أخضر.

بعد أن هددت الثورة العراقية بغداد، توجه تنظيم داعش نحو كردستان، وهذا ما دفع الأميركان إلى التدخل، سيما وأن حكومة إقليم كردستان لم تهتم بتسليح البشمركة؛ وتلى ذلك قرار من مجلس الأمن يعتبر داعش في العراق خطرا عالميا لابد من مواجهته. هذا القرار، يوضح أن الموقف من داعش بدأ بالتغير، فهو نجح في إفشال الثورة العراقية، ولابد من إعادته إلى وضع ما قبل 2012.

طالب الائتلاف الوطني السوري، أن تشمل الضربات الأميركية سوريا أسوة بالعراق، لكن أميركا تتحرك وفق أجندتها الخاصة، وفي غياب مكون عسكري حليف أو تابع لسياساتها، فقد أعفت نفسها من التنسيق العسكري مع أي من مكونات المعارضة.

داعش الذي هو أداة لتدمير الثورات، أصبح بالنسبة إلى أميركا خطرا حقيقيا، وتميل التحليلات إلى حدوث ضربات متلاحقة له في سوريا، هنا سارع النظام إلى قصف مناطق قريبة من داعش في الرقة والطبقة كي يقدم نفسه ممثلا للحرب ضد داعش، رغم أنه ترك داعش يتغول ويبتلع فصائل الجيش الحر والفرقة 17 واللواء 93 ومعظم مدينة الدير وأريافها، فالنظام يريد توكيلا لكي يكون شريكا في الحرب على الإرهاب. السياسة الأميركية لا تعتمد على النظام، ولكن ما الحل في غياب قوات للمعارضة؟

هذا السؤال يتضمن إجابة أن على المعارضة تأهيل نفسها، فالمصلحة الأميركية تقتضي تعاونا مع النظام ضد داعش. وربما تكون هذه بداية لحل سياسي. طبعا ستكون هناك مشاورات بين روسيا وأميركا وإيران والسعودية. ولكن هل يمكن لأميركا أن تضرب في سوريا دون أن تشمل ضرباتها جيش النظام؟ وفق مجريات الواقع، ستكون هناك ضربات لداعش، أما ضرب مواقع النظام فهو أمر مستبعد، وبالتالي يظل خيار الحل السياسي قائما.

في العراق سيتم حصر الثورة في مطالب أهل السنة، وبالتالي ستتزامن الضربات الأميركية لداعش مع عملية سياسية تخفف من السيطرة الإيرانية، وتعيد السيطرة لتوافق أميركي- إيراني مشترك. كل هذه التغيرات لا تخرج عن شكل العملية السياسية التي سار عليها العراق منذ 2003، ولكن هل هذه هي نتائج الثورة العراقية؟

أصبحت السياسة الأميركية في سوريا واضحة بما أنها تريد فقط إجراء تعديل جزئي على النظام، وبسماحها بتضخم داعش تحدد للمعارضة شروط سياستها في سوريا، أي ليس هناك أمام المعارضة سوى حل سياسي توافقي مع النظام.

تحدد السياسة الأميركية شكل النظام القادم في سوريا، بما لا يختلف عما هو في العراق ولبنان، وبالتالي سيكون حكما أقرب للطائفي والمذهبي ويحفظ للأكراد بعض الحقوق. إن السماح بكل هذا التمذهب والطائفية في سوريا يدفع بواقعية هذا الحل. نضيف هنا أن الكثير من أطياف المعارضة ليست لديها مشكلة مع هذا الحل. بل يوجد من نظر لهذا الشكل من الحكم قبل الثورة قائلا بأن سوريا ليست شعبا بل مكونات طائفية، وأنه من الطبيعي أن تحكم السنة باعتبارها الأكثرية، وبالتالي من الطبيعي أن تقبل به المعارضة الآن. ولكن السياسة الأميركية ليست متحكمة بما سيحصل في سوريا، بل ينشط الروس والإيرانيون، وربما يشكل التوافق الأميركي الإيراني في العراق حول العبادي منطلقا للتوافق حول سوريا.

تمارس الآن ضغوط جديدة على الائتلاف الوطني من تركيا والسعودية وأميركا، وبغياب الحامل العسكري في الداخل، وبتوسع داعش يقع على الائتلاف والفصائل العسكرية إيجاد رؤية سياسية تتجاوز حث أميركا على توسيع ضرباتها إلى سوريا، ولا يفيد بشيء القول إن النظام هو جذر الإرهاب، فالأميركان لا يرون إلا داعش الآن، ويرون ضرورة التوافق بين قوى المعارضة والمكون العسكري والنظام لمحاربة داعش. وبالتالي لا خيارات كثيرة أمام المعارضة وفق السياسية الأميركية، فهل تقبل بذلك؟


كاتب سوري

9