المعارضة السورية وثوبها الفضفاض

الأحد 2014/07/13

أعلن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام عن ميلاد دولته (الدولة الإسلامية) بحدود تشمل كلا من سوريا والعراق ولبنان والأردن والكويت، ودعا زعيم الدولة أبو بكر البغدادي في أول ظهور علني له جميع المسلمين لطاعته ومبايعته خليفة للمسلمين.

يرفض الشارعان السوري والعراقي بالعموم هذه الخطوة ومن قام بها، واعتبرتها المرجعيات السنّية باطلة شرعا، كما اعتبرتها المعارضة السورية هروبا من التنظيم إلى الأمام للتنصل من جرائمه وتغطية لعمالته لإيران والنظام السوري، ومحاولة لإضفاء الشرعية على جميع ما يقوم به التنظيم خصوصا قتل المخالفين والممتنعين عن بيعته، واعتبرت أن إعلان البغدادي قيام دولة الخلافة في هذا الوقت بالذات هو تمهيد لمشاريع تقسيم المنطقة ومحاصرة الأغلبية السنّية، وضياع الثروات في المناطق التي تعيش فيها، وإغلاق منافذها الاستراتيجية، مما سيؤدي في الغالب إلى إجهاض الثورتين السورية والعراقية.

فيما عدا التنديد والحرب الكلامية والتهديد اللفظي، غضّ المجتمع الدولي الطرف عمّا يقوم به النظام السوري، ولم يقدّم للمعارضة السورية المسلحة أي دعم نوعي يضم منظومات أسلحة قادرة على مواجهة الجيش الذي بُني خلال خمسة عقود ليكون جاهزا للتصدي لأي ثورة، كما عبث بالمعارضة السياسية السورية وأغرقها بتفاصيل تنظيمية وتحالفات ومكائد داخلية أدت إلى ضعف وفساد.

لم يحاول المجتمع الدولي منع انتشار الجماعات المتطرفة في سوريا، بل وأحيانا سهّل لها هذا الانتقال، وفي كثير من الحالات تنادت وتجمعت وانتقلت إلى سوريا تحت نظر هذا المجتمع الدولي وأجهزته الاستخباراتية، وفتح النظام السوري باب الهجرة للمتطرفين والمنحرفين كإستراتيجية للتخلص من ثورة سياسية سلمية مدنية كانت تهدد وجوده.

مازالت المعارضة السورية مصرّة على اعتقادها أن (داعش) هي صنيعة النظامين الإيراني والسوري، وتأتمر بأوامرهما ولا تخدم سوى مصالحهما، وتقول إن عدم قصف النظام السوري لأي مقر من مقرات (داعش) منذ الإعلان عن تشكيلها وحتى اليوم هو أوضح دليل على هذا، وتشير إلى أن هذا التنظيم باع النفط والسلاح للنظام السوري نفسه وحارب الجيش السوري الحر، وتؤكد على أن هذا التنظيم القاعدي قتل هذا العام من الكتائب الثورية المسلحة والجيش السوري الحر أكثر مما قتل النظام السوري من هذه الأطراف، ولهذا طالبت المعارضة السورية ـ السياسية والمسلحةـ من المجتمع الدولي تزويدها بالسلاح المطلوب للتصدي للطرفين معا، التنظيمات الجهادية والنظام.

صحيح أن العراق أطلق سابقا سراح آلاف السجناء من سجونه بطريقة مريبة تدعو للتساؤل، وغالبيتهم من تنظيم القاعدة والجهاديين، وصحيح أيضا أن النظام السوري وعبر أربعة مراسيم عفو أصدرها بعد عدة أشهر من انطلاقة الثورة أطلق سراح الآلاف من أعتى المتطرفين الإسلاميين المؤمنين بالسلاح وسيلة لإسقاط النظام وإقامة الدولة الإسلامية، إلا أن ما من وثائق تؤكد أن إطلاق سراحهم تم بناء على اتفاق مع مخابرات المحور الثلاثي، سوريا والعراق وإيران، مع أن جوهر ما تقوم به هذه التنظيمات في سوريا هو محاربة الثورة والجيش الحر والتحدث باسم الثورة بخطاب أصولي متطرف ورفع الأعلام السوداء وتطهير الأرض من الثوار واستثمار الثروات لصالحهم.

تفترض المعارضة السورية أن إسقاط النظام السوري، أو وضع حد للنظام الإيراني، سيؤدي إلى سقوط (دولة الخلافة) تلقائيا، على اعتبار أنها إحدى المشاريع المشتركة لهذين النظامين، وتُنبّه الغرب من أن (دولة الخلافة) لا تُشكل خطرا بقدر الخطر الذي تشكله الأنظمة التي أوجدتها، في إشارة إلى النظامين الإيراني والسوري، وقد أعلنت الولايات المتحدة بدورها أنه من الأنسب تزويد المعارضة السورية (المعتدلة) بالسلاح لتقوم بهذه المهمة المزدوجة، مهمة محاربة القاعدة ليس في سوريا وحسب وإنما في بلاد الرافدين، ومهمة إرغام النظام السوري على القبول بحل سياسي فيه نهايته، وهي في الغالب تعرف أن هذه المعارضة غير قادرة على هذه المهمة.

تُلبس الولايات المتحدة المعارضة السورية المسلحة ثوبا أكبر من جسمها بكثير، فهي تريد توظيف المعارضة السورية (المعتدلة) لمواجهة القاعدة والنظام معا، مع أن هذه المعارضة ضعيفة ومرتبكة ومشتتة ولم تستطع القيام بواحدة فقط من هاتين المهمتين طوال ثلاث سنوات بسبب الدعم الهائل الذي يصل للنظام السوري من حليفيه الإيراني والروسي، والدعم الكبير الذي يصل للتنظيمات المرتبطة بالقاعدة، وأيضا بسبب التنسيق القائم بين النظام السوري والإيراني والعراقي وتلك التنظيمات وفق العديد من التقارير.

يُخطئ من يعتقد أن السياسة الأميركية مضطربة ومترددة، ويخطئ أكثر من يعتقد أن هناك انعدام رؤية سياسية لواشنطن، فالدولة الأقوى والأغنى والأضخم، بكل المقاييس، تعرف بالتأكيد ما تريد، وتخطط لعقود طويلة، وتسخّر كل إمكانياتها وإمكانيات شركائها الكُثر في العالم لضمان سير خططها بدقة متناهية، وإن خرج الأمر عن الخطة لسبب طارئ فهي قادرة على إرجاعه إلى طريقه الصحيح بقليل من القوة. وفي الأزمة السورية، لا يبدو أن الولايات المتحدة ومن خلفها الغرب عموما على عجلة من أمرهم، فهم وجدوا في الأزمة السورية فرصة لن تتكرر لهجرة المتشددين والجهاديين المنتشرين في أصقاع العالم نحو الشرق، وتجميعهم في محرقة واحدة ضمن مساحة جغرافية محددة، وهو حلم كان يبدو بعيد المنال منذ سنوات، وبافتراض صحة هذه الفرضية، ينبغي على السوريين وبقية شعوب المنطقة انتظار وصول آخر راكب لهذا القارب حتى يبدأ التحرك الأمريكي ـ الغربي، وهو أمر قد يطول طالما أن التهديد بعيد عن حدودهم.

صحيح أن الرأي العام الغربي أصبح قاب قوسين أو أدنى من اعتبار أن جوهر أزمة الشرق الأوسط هي تنظيمات القاعدة وليس الاستبداد والأنظمة الشمولية التي نهبت ثروات الدول وأفقرت الشعوب وأرعبتها ودمرت ثقافتها وقيمها وزادت من تخلفها، لكن بالمقابل فإن قرارات الغرب الاستراتيجية لا ترتبط في النهاية بالرأي العام وإنما بمصلحة الأمن القومي والدولي.

في كل الأحوال، أفلتت المعارضة السورية الأمر من يدها نتيجة ضعفها وسطحيتها وفقدانها للخطة والاستراتيجية الشاملة واعتمادها على الوعود الغربية، وبات الأمر الآن بيد الولايات المتحدة وليس بيد أي شعب من شعوب المنطقة، وحتى ليس بيد إيران والأنظمة العربية المرتبطة بها، ولا بد من انتظار الفرج من بلاد العم سام، حيث توضع الخطط وتُعطى الأوامر، وقد يطول الانتظار وقد يقصر، ولا مانع من استخدام المعارضة السورية المسلحة كوقود في محرقة، وربما تُشهر العصا في بعض الأوقات لتصويب ما خرج عن الخطة، لكن لن يضمن أحد نتائج الخطة الموضوعة للمنطقة، فقد تكون لصالح الأنظمة، وقد لا تكون لصالحها، لكن ربما من المستبعد أن تكون لصالح شعوب المنطقة وحقوقها ومصالحها.


إعلامي سوري


5