المعارضة المصرية تسير في ركب الحكومة بحثا عن مكاسب انتخابية

مراقبون: هناك إدراك من دوائر حكومية بضرورة احتواء أحزاب المعارضة وعدم تركها فريسة لتنظيم الإخوان الذي تمكن من استقطاب بعض رموزها.
الأحد 2020/07/12
هاجس الانتخابات يشغل بال الأحزاب المصرية

مع إعلان الهيئة الوطنية للانتخابات في مصر مواعيد الترشح والاقتراع لأول انتخابات لمجلس الشيوخ، الذي لاقى إقراره رسميا بتعديلات دستورية جدلا واسعا، اختارت أحزاب المعارضة الاصطفاف مع أحزاب الموالاة عبر مشاركة في السباق الانتخابي بـ”القائمة الوطنية الموحدة”، في خطوة براغماتية تعكس رغبة المعارضة في تحقيق مكاسب انتخابية ومحاولة لكسب تأييد الشارع.

القاهرة – اختارت الأحزاب المحسوبة على تيار المعارضة في مصر الاقتراب بشكل أكبر من أحزاب الموالاة عبر مشاركتها ضمن “القائمة الوطنية الموحدة” التي يشكلها حزب “مستقبل وطن” لخوض انتخابات مجلس الشيوخ، في خطوة تستهدف ضمان عدد من المقاعد لهذه الأحزاب داخل المجالس التشريعية التي تجرى بالنظام الفردي والقائمة المطلقة.

وانطلقت لجان متابعة سير العملية الانتخابية منذ السبت في تلقي طلبات الترشح في انتخابات مجلس الشيوخ. وتدرك أحزاب المعارضة أنه قد لا يكون بإمكانها التواجد في مجلسي النواب والشيوخ، إذا لم تضمن لنفسها مقاعد في القوائم التي تحظى بحضور الأحزاب الداعمة للحكومة، لأنها ليست لها قواعد جماهيرية في الشارع، ولا يمكنها التحرك بحرية في ظل تضييق الخناق على المجال العام، وفي ظروف إقليمية معقدة تضعها في حسبانها حال أقدمت القاهرة على أي أعمال عسكرية خارج الحدود.

خطوة براغماتية

تحاول بعض الأحزاب التي لم تجد لنفسها مكانا على الخارطة السياسية شغل مواقع ما يسمى بـ”الأحزاب الترجيحية”، بحيث تتبنى تارة مواقف تتقارب مع الحكومة وتذهب تارة أخرى إلى معارضتها في بعض المواقف بما لا يجعلها في خانة واحدة مع تنظيم الإخوان، المصنف إرهابيا والمحظور داخل مصر، وترى أن الوقوف في تلك المنطقة في هذه الفترة أمر مفيد بالنسبة لها في ظل المتغيرات الإقليمية الحالية وغياب الانشغال بالسياسة عن أذهان المواطنين.

ليست لدى أحزاب المعارضة ممانعات في تقديم المزيد من التنازلات لضمان تواجدها في أي من الغرفتين، مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، لأنها بالأساس لم تحقق مكاسب جراء المواقف المعارضة التي تبنتها خلال السنوات الماضية، بل وجدت نفسها مهمشة من دون أي تعاطف جماهيري معها، وأدركت أن توجهها بخطابات جديدة إلى المواطنين لم يلق آذانا صاغية، وبالتالي فإن قياداتها لم تحقق تطلعاتها في اقتسام جزء من كعكة المناصب السياسية التي تبحث عنها.

محمد أنور السادات: المجالس النيابية فرصة المعارضة المصرية الوحيدة
محمد أنور السادات: المجالس النيابية فرصة المعارضة المصرية الوحيدة

وعقدت الحركة المدنية (تحالف معارض) التي تضم في عضويتها أحزاب؛ الدستور والكرامة والمصري الديمقراطي الاجتماعي ومصر الحرية والعدل والإصلاح والتنمية والتحالف الشعبي الاشتراكي، اجتماعا مطولا مساء الأربعاء وقررت عدم تشكيل قائمة انتخابية لخوض انتخابات مجلس الشيوخ المقرر عقدها في 11 أغسطس المقبل، وتركت الفرصة للأحزاب الممثلة داخلها للانخراط في تحالف أحزاب الموالاة أو المشاركة بمفردها عبر الترشح على المقاعد الفردية.

وأعلنت ثلاثة أحزاب ضمن هذا التحالف، وهي: المصري الديمقراطي الاجتماعي، الإصلاح والتنمية، والعدل، المشاركة ضمن قائمة “مستقبل وطن” المقرر الإعلان عنها بشكل نهائي الأسبوع الجاري، وسط توقعات بحصول كل حزب على مقعدين أو ثلاثة داخل القائمة التي ستضم 100 نائب بمشاركة أكثر من عشرة أحزاب. ويتشكل مجلس الشيوخ من 300 نائب يجري انتخاب ثلثهم بالنظام الفردي والثلث الآخر بالقائمة المغلقة، والثلث الأخير يجري تعيينه من قبل رئيس الجمهورية. ومن المرجح أن تواجه أحزاب المعارضة أزمات عديدة في الانتخابات المقبلة، لأن طريقة تقسيم الدوائر الفردية تجعلها تدور في مساحات جغرافية شاسعة، وهناك 100 مقعد فردي موزعة على 27 دائرة في 27 محافظة، 10 في المئة منها في القاهرة، بالإضافة إلى 100 عضو منتخبين يتوزعون على أربعة قطاعات ضخمة للقائمة المطلقة، ما يجعل المنافسة شبه مستحيلة، وتجد نفسها مرغمة على الانخراط ضمن تحالفات توافقية.

كما أن تكتلات المعارضة في مصر تعاني تفكيكا في بنيتها بالأساس، فهي لم تدفع للتنسيق مع تحالف “25 – 30” المعارض داخل مجلس النواب، والذي استطاع أن يدخل في مناوشات ضد الحكومة، بالرغم من ضعف تأثيره، إلى جانب وجود خلافات داخلية بشأن ترشيح بعض الأسماء التي قد تكون لها علاقات خفية بتنظيم الإخوان ما يضعها في موقف حرج، حال فضح أمر هؤلاء جراء اتخاذ إجراءات أمنية ورقابية صارمة على المرشحين.

وأشار رئيس حزب الإصلاح والتنمية محمد أنور السادات إلى أن فرصة أحزاب المعارضة الوحيدة في مصر لتوصيل صوتها إلى المواطنين ستكون عبر المجالس النيابية، والتجربة أثبتت أن من يفقد التمثيل داخل المؤسسات التشريعية لن يكون له دور في الشارع، وبالتالي فالتنسيق مع أحزاب الموالاة يعطي فرصة للمعارضة لتطوير أدوات عملها.

وتابع في تصريح لـ”العرب” أن حزبه اتخذ موقفه بالمشاركة على قائمة مستقبل وطن بعدما لمس أن هناك محاولات جادة لتشكيل قائمة وطنية تمثل كافة الأطياف من أجل الوصول إلى مجلس توافقي يشمل الموالاة والمعارضة، وأن مجلس الشيوخ سيكون بمثابة تجربة لتقييم الموقف بشأن تكرار الأمر في انتخابات مجلس النواب، والمقرر عقدها في نوفمبر المقبل، أم البحث عن تشكيل قائمة تمثل المعارضة.

وبين أن التنسيق مع حزب “مستقبل وطن” سيكون مقترنا بالاختيار من ضمن الأسماء الخمسة التي قدمها الحزب لتمثله في القائمة، وأي محاولة لفرض أسماء على الحزب ستكون مرفوضة وقد يؤدي ذلك إلى الانسحاب من القائمة، بجانب أن هذا التنسيق لا يرتبط بالمواقف السياسية لكنه تحالف انتخابي ينتهي بانتهاء الانتخابات. وحسب مصادر “العرب” فإن أحزاب الحركة المدنية قررت تشكيل لجنة لدراسة المكاسب التي ستحققها الأحزاب الثلاثة جراء المشاركة على قوائم “مستقبل وطن” في انتخابات مجلس الشيوخ، وهذا التنسيق قد يجري بشكل أكبر في انتخابات مجلس النواب.

خطط الإخوان

إفشال خطط الإخوان
إفشال خطط الإخوان

يرى مراقبون أن هناك إدراكا من دوائر حكومية بضرورة احتواء أحزاب المعارضة وعدم تركها فريسة لتنظيم الإخوان الذي تمكن من استقطاب بعض رموزها، وثمة رغبة في أن تشكل المعارضة المدنية سدا للفراغ الذي تركته الأحزاب الدينية، وقد تستحوذ أحزاب مثل الإصلاح والتنمية والمصري الديمقراطي الاجتماعي على مقاعد حزب النور السلفي الذي لم يعد مرغوبا به للمشاركة في التحالف الذي يتشكل حاليا.

وأعقبت الإطاحة بنظام الإخوان تغيرات كبيرة في تركيبة المعارضة المصرية بعد أن جسدتها بعض الأحزاب القديمة، مثل الوفد باعتباره ممثلا للتيار الليبرالي، والتجمع كممثل لأحزاب اليسار، غير أنهما أصبحا منخرطين بشكل أكبر في أحزاب الموالاة منذ بدء عمل البرلمان الحالي في العام 2015، ويبدو أن هناك أحزابا جديدة قد تسير على هذا النحو، بالرغم من عدم قدرة الحزبين على تحقيق نجاحات تذكر بعد اختلاف مواقعهما.

وبرأي المنسق العام للحركة المدنية مجدي عبدالحميد فإن الاجتماع الذي شاركت فيه أحزاب الحركة وعدد من المستقلين وأعضاء البرلمان، لم يكن يستهدف تشكيل قائمة معارضة في وجه أخرى محسوبة على الحكومة، ودار الجزء الرئيسي من النقاش حول ضمان توفير الاستقلال الكامل لإجراء الانتخابات ومنح الفرصة للمعارضة لتكون أكثر اقترابا من الموالاة.

وأوضح لـ”العرب” أن قانون انتخابات مجلس الشيوخ كان دافعا نحو هذا التوجه، كما أن السباق الانتخابي يجري في ظرف سياسي وإقليمي معقد للغاية، وجميع الخيارات المصرية مطروحة في أزمتي سد النهضة وليبيا، وهي مشكلات قومية تتخطى الخلافات الداخلية، بما قد يقود أحزاب المعارضة إلى تغيير مواقفها بشكل كلي، حال حدوث حرب في أي من الجبهتين.

وتوقع عبدالحميد أن تصطف المعارضة بشكل مباشر إلى جانب الحكومة وتؤجل خلافاتها معها لمواجهة الاحتلال التركي في ليبيا، كذلك الأمر بالنسبة لسد النهضة والذي يشكل خطرا وجوديا بالنسبة للمصريين، وجرى التوافق بين أحزاب الحركة المدنية على حسم موقفها من المشاركة في أي تحالفات ترتبط بانتخابات مجلس النواب خلال أسبوعين إلى حين اتضاح الرؤية بشأن القضايا الإقليمية.

6