المعارضة المغربية أمام امتحان البقاء أو التشظي

طرحت نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية المغربية التي تمت في أيلول الماضي تساؤلات كثيرة حول خيارات أحزاب المعارضة الممكنة ومدى حضورها في الانتخابات التشريعية التي ستجري السنة القادمة، لا سيما بعد التصدع الذي شهدته هذه الأحزاب والتي التقت سابقا من أجل التصدي لصعود التيار الإسلامي في البلاد رغم النتائج الإيجابية التي تم تسجيلها في الانتخابات الأخيرة. كما ينتظر اليسار المغربي تحديات كبرى بعد التراجع المدوي لقواه الانتخابية ومساهمته في العملية السياسية.
الاثنين 2015/11/23
اليسار المغربي أمام تحدي الحفاظ على مكانته كفاعل على الساحة السياسية المغربية

الرباط - سنة واحدة تفصل المغرب عن خوض تجربة انتخابية جديدة، تحمل صفة التشريعية هذه المرة، لتحديد ممثلي الشعب البالغ عددهم 395 داخل قبة البرلمان. وتذهب التقارير الأولية والتحليلات إلى ترجيح فرضية تكرار نفس نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية التي جرت في الرابع من سبتمبر الماضي لا سيما أمام مشاركة نفس الجسم الانتخابي. وتبقى السنة الفاصلة بمثابة امتحان للأحزاب وخاصة أحزاب المعارضة حتى تقدم للناخبين جملة من المؤشرات سواء كانت إيجابية أو سلبية تكون الفاصل في ما بعد.

وكشفت نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة -الأولى في ظل دستور 2011- عن جملة من المعطيات الجديدة في التجربة الانتخابية المغربية، كان أهمها فوز أحزاب المعارضة برئاسة سبع جهات من أصل 12، أمام حصول أحزاب التحالف الحكومي على خمس جهات. وفي المقابل فاقمت هذه الانتخابات من أزمة قوى اليسار رغم حضورها كشريك في السلطة منذ أواخر تسعينات القرن الماضي ولا سيما حزب الاتحاد الاشتراكي.

ويطرح هذا الوضع على المعارضة جملة من التحديات في الانتخابات التشريعية القادمة، فمن جهة يتعيّن على حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال تقديم أطروحات تعزز الانتصار الذي تم تحقيقه في الانتخابات الأخيرة، فيما يجد الحزب الاشتراكي نفسه في وضع قد يكون الأسوأ في تاريخه، ما يتطلب منه طرح بدائل تعزز استمراره في الانتخابات اللاحقة.

حزب الأصالة والمعاصرة

منذ تأسيسه قدم حزب الأصالة والمعاصرة نفسه على أنه حزب مدافع عن قيم التقدم والحداثة ومناهض بشدة للإسلاميين. وفي هذا الإطار نجح في استقطاب الحزب الاشتراكي اليساري وحزب الاستقلال لتكوين جبهة للتيار الحداثي تقف في وجه التيار المحافظ، وتمكن بذلك من كسر العزلة التي وضع فيها منذ ميلاده سنة 2008. وكانت أول نتائج مدوية لهذا الحزب عقب الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة والتي تمكن فيها من تحقيق انتصار كبير لكنه سرعان ما تحول إلى هزيمة معنوية في نظر منافسيه لعدة اعتبارات.

ويذهب بعض المنافسين، أولا، إلى تقزيم فوز حزب الأصالة والمعاصرة لأنه لم يحقق نتائج مهمة في المدن، ويعتبرون أن شبكة الأعيان ورجال الأعمال المرتبطة بهذا الحزب هي الأطراف التي مهّدت الطريق لهذا الانتصار. فهذه الفئة تحتاج في نظرهم إلى التحالف مع السلطة لحماية مصالحها ولهذا قامت بدعم الحزب كما يجب لا سيما وهي التي تعي جيّدا كيفية حيازة الكراسي. وثانيا فشله في الحفاظ على علاقات جيّدة مع باقي أحزاب المعارضة ما تسبب له في عزلة سياسية بما في ذلك جبهة تيار الحداثة.

فشل حزب الأصالة والمعاصرة في الحفاظ على علاقات جيدة مع باقي أحزاب المعارضة، تسبب في عزلته سياسيا

ورغم ذلك أعلن الحزب عن شروعه في الاستعدادات من أجل الفوز في الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها السنة القادمة. وفي هذا الإطار قالت ميلودة حازب، رئيسة فريق الأصالة والمعاصرة في مجلس النواب لـ”العرب”، إن حزبها الحائز على المرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية والجهوية في خمس جهات من المغرب، سيضع نصب أعينه معالجة المشاكل الاجتماعية التي تعرفها الكثير من المناطق البعيدة من هشاشة وفقر وأمية، فضلا عن وضعية المرأة القروية. ولهذا سيراهن في إطار استعداداته للانتخابات التشريعية القادمة على مشروع مجتمعي فكري حداثي بامتياز يعكس التوجه الديمقراطي للحزب والانتصار لمبادئ حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية التي يدافع عنها، وسيكون ذلك سبيلا للحفاظ على المراتب المتقدمة التي حققها في الانتخابات الجماعية والجهوية، مضيفة أن حزبها يعمل من أجل فرض وجوده على رأس الحكومة المقبلة.

وإذا كانت إمكانية صعود هذا الحزب لرئاسة الحكومة تطرح بعض الإشكاليات في حال وجد نفسه مضطرا للمشاركة في حكومة حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي، نظرا لأن ذلك قد يهدّد هويته التي تأسست منذ البداية على محاربة الإسلاميين.

حزب الاستقلال

لفترة ليست ببعيدة كان حزب الاستقلال جزءا من الأغلبية الحكومية وتحديدا في الفترة الممتدة ما بين مطلع سنة 2012 وصيف العام 2013، قبل أن يقرر الخروج إلى موقع المعارضة، في ظروف غامضة بعض الشيء وإن كان المراقبون يرجحون أن خروجه كان بسبب الاختلافات الأيديولوجية مع حزب العدالة والتنمية.

ورغم اصطفافه في المعارضة إلا أن حزب الاستقلال قد حل في المرتبة الثانية في الانتخابات الأخيرة من حيث عدد المقاعد بـ5106 مقاعد بنسبة 15.94 بالمئة، محافظا على قوته الانتخابية كلاعب مهمّ على الساحة السياسية المغربية.

ولكن الحزب أعلن صراحة بعد نتائج الانتخابات الأخيرة عن تغيير خطه السياسي والتحول من المعارضة إلى التموقع في الوسط بين القوتين الأبرز على الساحة المغربية اليوم ونعني بذلك حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية. حيث اختار مبدأ المساندة النقدية للحكومة مع وضع مسافة نقدية أيضا مع حزب الأصالة والمعاصرة حتى يترك فرضية اللحاق مجددا بالحكومة مطروحة دون القطع مع قوى المعارضة.

الانتخابات الأخيرة كشفت عن التراجع المدوي الذي وصل إليه اليسار في المغرب

وفي حديثه عن موقع الحزب اليوم ومدى حضوره لا سيما في ظل الاستعدادات للانتخابات التشريعية 2016 اعتبر نور الدين مضيان، رئيس فريق حزب الاستقلال داخل مجلس النواب المغربي في تصريح لـ“العرب”، أن “حزب الاستقلال كان من الأحزاب الأولى في جميع الاستحقاقات لعل آخرها المرتبة المشرّفة التي حازها في الانتخابات الجماعية، والمرتبة الأولى في مجلس المستشارين. مؤكدا حضوره في جميع الاستحقاقات وفي جميع المؤسسات المنتخبة وفي جميع المحطات النضالية القادمة”.

وقال عضو البرلمان المغربي إن “حزب الاستقلال حزب مهيكل وله حضوره الفاعل في مختلف مناطق المملكة من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال، وفي مدنها وبواديها، فضلا عن النقابات والتنظيمات الموازية. وهو ما يدفع الحزب إلى العمل من أجل المساهمة في بناء مستقبل سياسي قوي في البلاد، ولهذا نحن نعمل بطريقة سلسلة إيمانا منا بأن حزب الاستقلال ليس حزبا انتخابيا فقط وإنما هو حزب شعبي يطمح ويراهن من أجل تبوء المراتب الأولى في الاستحقاقات التشريعية المقبلة”.

مضيفا أن الحزب يحاول قدر المستطاع الاستفادة من الأخطاء والتجاوزات التي شهدتها الانتخابات الجماعية والجهوية السابقة، وخاصة مسألة الارتباك الذي عرفه الحزب في فترة الانتخابات الأخيرة على أمل تصحيحه في محطات انتخابية مقبلة.

الاتحاد الاشتراكي

على مدار الأربعة عقود التي تلت الاستقلال كان اليسار المغربي، ولا سيما حزب الاتحاد الاشتراكي، طرفا رئيسيا في الصراع السياسي حول السلطة الذي شهده المغرب. لكنه بدأ يخسر قوته تدريجيا منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، والتي نفى محللون أن تكون حالة فردية وأدرجوها في سياق وضعية اليسار على المستوى العالمي.

ولكن الانتخابات الأخيرة كشفت عن التراجع المدوي الذي وصل إليه اليسار في المغرب وخاصة حزب الاتحاد الاشتراكي باعتباره الطرف الأبرز ضمن قوى اليسار في المغرب. حيث لم تتجاوز عدد المقاعد التي تمكن من حيازتها الـ2656 مقعدا بنسبة 8.43 في المئة من الأصوات، ليتحول بذلك إلى القوة الانتخابية السادسة في البلاد، ويصنف لأول مرة في تاريخه كحزب سياسي صغير. ويعود ذلك أساسا إلى الخلافات والانقسامات التنظيمية الكبيرة التي شهدها الحزب على مستوى الهياكل البرلمانية والنقابية مباشرة بعد مؤتمره الأخير الذي انعقد سنة 2012.

كافة قوى اليسار المغربي مدعوة لتوحيد صفوفها، والعمل على التأسيس لمضامين جديدة قوامها الديمقراطية والحداثة

وأمام هذا الوضع الذي وصفه محمد الأشعري أبرز رموز الحزب بـ“الموت المعلن” يجد الاتحاد الاشتراكي نفسه مجبرا على مضاعفة جهوده لتدارك المشاكل الكبرى للحزب حتى يضمن مجرد البقاء كلاعب وإن كان صغيرا وبلا تأثير على الساحة السياسية المغربية.

وقد علق يونس مجاهد، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن وضعية حزبه ومن ورائه اليسار المغربي، في حديث لـ“العرب” بقوله إن “الحزب يسعى إلى القطع مع الأخطاء والتجاوزات التي تم تسجيلها في الانتخابات الجماعية والجهوية، حيث كانت هنـاك قـوانين وأجنـدات غير مضبوطة”. مشيـرا إلى أنه سيتم “إجراء تقييم للانتخابات في الاجتماع المقبل للجنة الإدارية للحـزب في 14 من الشهر الجاري والذي سيخرج بخلاصات وببرنـامج عمـل يقـود إلى الانتخـابات التشريعيـة المقبلـة”.

كما أكد عضو المكتب السياسي على أنه ستتم مراجعة الأوضاع التنظيمية للحزب والخطة السياسية والتحالفات المزمع إجراؤها، فضلا عن مراجعة القضايا الأساسية التي تهم الشعب المغربي وذلك من أجل طرح بدائل لها سواء سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو تربوية. فضلا عن البحث عن آليات تطوير الممارسة الديمقراطية في المغرب وكيفية تطوير البناء الديمقراطي عملا بما جاء في الدستور، وسيكون ذلك بمثابة الخطاب الأساسي الذي سيتوجه به الحزب إلى الشعب المغـربي في المرحلة المقبلـة.

من جهة أخرى دعا يونس مجاهد كافة قوى اليسار المغربي إلى ضرورة توحيد صفوفها، والعمل من أجل بناء أسس ومضامين جديدة قوامها الديمقراطية والحداثة، إلى جانب المزيد من الدعم والارتباط بالجماهير، لا سيما وأن أزمة اليسار المغربي مرتبطة برأيه بانهيار منظومة القيم التي كانت سابقا العامل الأساسي لتوطيد علاقاته مع هذه الجماهير.

وعموما سيكون أمام المعارضة المغربية حيّز زمني لتدارس مشاكلها الداخلية وتلافي تأثيراتها على المرحلة اللاحقة، وتحديد برامجها بكل دقة لتثبيت إنجازاتها الأخيرة التي حققتها في الانتخابات الجماعية والجهوية.

7