المعارضة تتفسخ.. والنظام يتوهم القوة

الخميس 2013/10/24

شكّل الموقف الروسي والإيراني، والمليشيات الطائفية الداعمة للنظام، قوة تماسكه، ومانعَ تفككه. بينما شكل تصارع القوى الداعمة للائتلاف الوطني وقواه، من قطر إلى أميركا، عامل الخلل الفعلي في هشاشة المعارضة وتفككها؛ فلم تتشكّل معارضة قوية وصلبة، لا في إطار المعارضة الإصلاحية، أي هيئة التنسيق التي تفتّتت، وبقيت تنتظر رحمة الروس عليها بأية عملية انتقالية، ولا استطاعت المعارضة «الثورية» أن تحرز أي تماسك جديّ، فعمَّها الصراع والتكالب على المصالح، وهي تنتظر رحمة العم سام ليتخذ قراره بالغزو؛ بدءاً بالإخوان، الذين لعبوا الدور الأسوأ في تشتيت المعارضة، ولاحقا في تشتت الحركة الشعبية، ودفعوا أقساما من الثورة نحو التسليح مبكرا، بل وأنشؤوا كتائبهم الخاصة، وفعلت كل الكتل الأخرى الأمر نفسه، ولكن حسب قدرتها على الحشد والتواصل والتمويل، وغير ذلك.

المعارضة هذه لم تقدم نفسها كجهة واحدة موحدة ليتم الدعم عبرها، وهو ما فتح باب تواصل الداخل مع الخارج بشكل متعدد وخاطئ بالكامل، وهو ما ساعد على تفتيت قوى الثورة ومنع تقدمها، وهو ما سمح لاحقاً بتدخل استخباراتي عبر النظام ودول المنطقة، بل والدول الغربية، لتتشكل كتائب وفق الطلب، فبرزت الكتائب الجهادية بدءاً من نهاية 2011؛ وببداية 2013 برزت داعش، وظيفتها الوحيدة تدمير الثورة وإخراج الشعب منها، وتجهيز أرض المعركة لتكون محصورة بين النظام وبينهم.

ومن الكتائب من تعمل مع النظام خفية، ليعود ويتمدد من جديد بعد كسر روح الثورة لدى الشعب، والإجهاز على القوى العسكرية الوطنية أو الأقرب لروح الثورة كالجيش الحر مثالاً؛ فوجدت حالة انفلات كامل في تشكيل الكتائب، وطورت الجماعات الجهادية الإرهابية نفسها، لتتوسع وتشكل كتائبها، ومحاكمها الشرعية ودولتها القروسطية المتوهمة؛ وفي هذا لا يعنيها أن تقاتل النظام، لأنه لا يقاتلها، بل يعنيها طرد كتائب الجيش الحر من الأماكن التي حررها، وإقامة «حاكميتهم» المتأسلمة عليها.

إذن لعبت المعارضة التي نشأت متصارعة ومتقاتلة، أسوأ الأدوار في إدارة الثورة، لتنتهي بها المعركة، إلى دور سلبي، لا يمتلك أي مشروع أو رؤية مستقلة عن الخارج، وحينما تتضرر ويلوح في الأفق إجبارها على التفاوض، والكلام عن مكونات الائتلاف الوطني، «تحرد» وتعلن رفضها لجنيف، وتعيد الكرة عن رفضها لبقاء الأسد، ولكن دون أن تقدم أية رؤية لمشكلات الثورة ولكيفية تفعيلها أو لأي خيار آخر؛ وبالتالي هذه المعارضة ضعيفة ورديئة ولا تملك أي برنامج، وهو ما يسهل عملية السيطرة عليها من الخارج، ويقوي الجماعات الجهادية كثيراً، وطبعاً يستفيد النظام من كل ذلك، حيث الكتائب فاقدة للبوصلة، ولا تعلم ماذا تفعل، وبالتالي تفقد مناطق جديدة.

الإخوان قاتلوا جنيف وبقية أطراف المعارضة أكثر من النظام، والهيئة تقاتل الائتلاف أكثر من النظام، والائتلاف كذلك لا يرى بقية القوى السياسية ويطلب الرحمة من الغرب ويشعر بالخذلان، ودخل بدوامة التفتت الداخلي؛ والخارج الأميركي والسعودي، لا يقدم دعماً فعلياً، ولا يريد سوى جنيف بشروط أقل من جنيف الأول؛ والنظام يلعب بجنيف، وبالتالي هناك استعصاء للخروج مما آل إليه الوضع.

طبعاً قدرة النظام على الاستفادة من تفسخ المعارضة ليست كبيرة، فهو لن يستطيع استرجاع أماكن كثيرة، والمعارضة لن تستطيع حسم المعركة ولن تتجاوز مشكلاتها أبداً. وبالتالي ما الحل، وكذلك هل من حل؟

تبرز معطيات دائمة جديدة، فهناك موعد كما يبدو يتم تداوله الآن في نهاية الشهر القادم، وهناك قوى سياسية يغلب عليها الطابع الإسلامي- سبع عشرة قوة- أصدرت بياناً وهي بالداخل وهي تحاول سحب الشرعية عن الائتلاف الوطني بحجة تمثيلها للداخل، وهناك معلومات تشير لمؤتمرات وصفقات تخص إعادة الإعمار، وهناك تخوف إقليمي هائل في تركيا ولبنان والأردن والعراق؛ وداعش لا تتوقف عن إحراز التقدم بالأماكن التي حررها الشعب وتوثيق الترابط في أماكن نفوذها بين العراق وسوريا؛ وبالتالي لا يمكن للخارج ترك الوضع يستنقع أكثر فأكثر، ولكن ومن جهة أخرى فإن مشروعه لسوريا، محدد بإعادة التجديد للنظام وإشراك المعارضة؛ هذا أقصى ما يقدمه، وبالتالي أسس جنيف سيتم التخلي عنها لصالح أسس جديدة.

هذا الواقع لن تقبل به الثورة، وأطراف بالسلطة لا تقبل به، أي لن يكون جنيف كما ترغب كل مجموعة أن تحرز من خلاله؛ الحل هنا سيأتي من الخارج. ولكن الخارج لا يعنيه الآن الثورة أو سوريا، ويعنيه تفكيك الكيماوي، وهذا يتم، ولكنه لا يستطيع تجاوز مخاوف دول الإقليم أو خطر المجموعات الجهادية كذلك.

ضمن هذا الإطار، سيضغط الخارج على المعارضة من أجل جنيف، وكذلك على النظام؛ ولكن قد يتعثر جنيف، وقد تتحقق صفقة ما، تحقق مصالح روسيا وأميركا وإيران التي بدأ ملفها النووي بالحلحلة كما يظهر.

ولكن وبعيداً عن مجريات الضغط الخارجي، فإن ممارسات المجموعات الجهادية وسواها من القوى، ستخلق دينامية جديدة رافضة لها لدى الشعب وتدفعه للتحرك، فهو لم يعد يمتلك أي خيار بديل غير خيار الثورة من جديد، أو العودة للتصالح مع النظام، وفي كلتا الحالتين هناك عثرات وعثرات، وبالتالي أي تطور جديد، أي تمدد داعش أو تقدم النظام، لن يمنع كما أظن من تفعيل الثورة من جديد؛ فلا داعش ولا النظام يمتلكون أي حلول لمشكلات الناس.

شعور النظام بالقوة، هو أمر أكثر من عبثي، لأن الشعور دائماً مؤقتٌ ومتغيّرٌ، وسرعان ما سيتبدد، حالما يُقدم دعم بسيط لقوى الثورة، وهو ما سيتم؛ فمصالح الخارج هي من سيحركه لذلك. ولاشك أن النظام أخذ نفساً عميقاً بسبب مبادلة الكيماوي بالضربة، وبسبب الصراعات الناشئة بين الحر وداعش من جهة، وبين الأخيرة والنصرة والأكراد من جهة أخرى، ولكنه واهم في شعوره ذاك، فهو لن يدوم طويلاً، والموقف الأميركي المهادن من أجل التوافق مع الروس سيتم تجاوزه، وذلك بسبب الدعم الروسي المستمر للنظام، ومحاولة تفسير جنيف بما يرضي النظام ويؤمن مصالحهم، ومحدودية ما يطرحون للمعارضة في جنيف، وبالتالي سيتغير الموقف تباعاً.

وها هو كيري، يصرح من جديد، بأن تسليم الكيماوي لن ينقذ سلطة الأسد، ولابد له من تقديم تنازلات فعلية في جنيف، بما فيها موقع الرئاسة نفسه، فلا يمكن للمعارضة أو للشعب، أو أي اتفاق سيُعقد أن يتم بحضور الرئيس أو ضباطه الفاعلين. هذه كما أظن بديهية في السياسة الأميركية رغم تبدل التصريحات من فترة لأخرى، والتي ستضغط ضمن هذا المنظور على المعارضة للحضور، وسيكون ذلك من ضمن سلة القضايا المثارة للتفاوض.

وبالتالي ورغم تماسك النظام، بسبب حلفه المتين، فإن المعارضة وأميركا لا تستطيع التنازل عن مسائل لا يمكن التنازل عنها. ما يضغط من أجل جنيف هو أن أي تأخير إضافي في عقده سيتيح للمجموعات الجهادية بالتوسع، ولن يكون لا بمقدور النظام ولا أميركا ولا روسيا الاستمرار في وضعها تحت المراقبة، وسيكون الخطر عظيماً على دول الإقليم لأسباب داخلية تخصها، وبالتالي سيعقد جنيف. ولكن وحتى الآن، لم تجهز الطبخة جيداً والنار مشتعلة تحتها، وهي تتجهّز بهدوء.


كاتب سوري

8