المعارضة وقطعة الجبن

السبت 2016/04/16

بعد أن استرد الجيش العربي السوري الأمانة في تدمر من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بثّت إحدى القنوات الفضائية “المؤيدة” من المدينة تقريرا مصورا تضمن مقابلة مع أحد الضباط، وقد اضطرت هذه القناة إلى ترجمة ما يقوله الضابط إلى العربية.

يذكرني ذلك بمرحلة انهيار الدولة العباسية حيث تتابعت وتداخلت وتناوبت على السيطرة عساكر وأقوام من الشركس إلى الفرس ومن السلاجقة إلى البويهيين، إلى أن جاء المغول. فالجيش “العربي” السوري اليوم لم يبق من “عروبته” إلا الاسم المهلهل فيما باتت جل القوات الرديفة من جنسيات وقوميات فارسية وروسية وأفغانية وباكستانية وعراقية ولبنانية.

وفيما كبلت الهدنة المعلنة أيادي المعارضة السورية المسلحة، أطلقت استعادة مدينة تدمر يد النظام في ضرب المناطق السورية التي مازالت خارج قبضته، وكانت مجزرة مدرسة دير العصافير وما تلاها من هجمات في مناطق مختلفة شمالا وجنوبا وغوطة، وكان تشديد الحصار ومنع المساعدات عن داريا وسواها، وعدم إطلاق المعتقلين كما نص على ذلك قرار مجلس الأمن وسواه، فيما ساد صمت مطبق من جانب المعارضة السياسية وبالأخص هيئة التفاوض مع النظام.

كتبت المدونة كندة فليحان على صفحتها على فيسبوك تقول “شو صار بالمفاوضات؟ مين كبس عالميوت وحطن عالصامت؟” في تعليق لها على صمت المعارضة المفاوضة في ظل ما يجري. يذكرني صمت المعارضة بحكاية الغراب والثعلب وقطعة الجبن لابن المقفع. وابن المقفع هذا أديب وفيلسوف من أصل فارسي برَع في صياغة الحِكم والأمثلة، في الاعتراض على السلطة في زمانه، على أَلْسِنة الحيوان والطير خشيةَ انتقام أصحاب السلطان، ولكن ذلك لم يشفع له في نهاية المطاف فكان مقتلُه بأبشع الصور على يد أحد الولاة.

وتروي الحكاية، وهي واحدة من أمثلة كليلة ودِمنة الشهيرة، أنّ غرابا جائعا مرَّ بمنزل فبَصُرَ من خلال النافذة قطعةَ جُبن على خوان فدخل من النافذة وخطِفَها بمنقاره ثم طار بها إلى أعلى شجرة. مرَّ بالغراب ثعلبٌ أراد أن يسرق منه قطعة الجبن، فحيّاه وامتدح صوته وقدرته على الغناء إلى أن فتح الغراب منقارَه ليجيبَه، فسقطت منه قطعةُ الجُبن وتلقفها الثعلب.

يبدو أن الهيئة العليا للتفاوض درست جيدا كتاب كليلة ودِمنة واتخذت من هذه الحكمة مرشدا لها، فآثرت الصمت المُبين كي لا تفقد قطعة الجبن الموعودة. ولم تتأثر بكل ما يمارسه النظام بجنده المتعدد الجنسيات تحت مسمى “الجيش العربي السوري” والقوات الرديفة.

وفيما امتدح “أصدقاء سوريا” ودهاقنة “المجتمع الدولي” ومنظروه “انتصار” الحضارة والتاريخ على همجية داعش في استرداد النظام مدينة تدمر، في خطوة تؤشر على تعَام مقصود عن الجرائم التي يواصل ارتكابها بحق الشعب السوري وبلاده، وتمهّد وتسوّغ لهذا “المجتمع الدولي” احتمالات إعادة الاعتبار لهذا النظام مكافأة له على محاربته “للإرهاب” وتحقيق إنجازات هامة في تدمر، يقرر نظام المافيا الإيرانية إرسال المزيد من القوات النظامية الخاصة (اللواء 65) هذه المرة إلى سوريا لِشدِّ عضد نظام الأسد. وبينما تخوض المعارضة المسلحة في ريفيْ حلب الشمالي والجنوبي أقسى المعارك مع داعش من جهة، ومع قوات النظام من جهة ثانية، يُصعّد بشار الجعفري رئيس وفد النظام إلى جنيف من لهجته، ليعلن أن الأسد باق اليوم وغدا وإلى الأبد، فيما تلتزم “حمائم” معارضة التفاوض الصمت عن دير العصافير وسائر الديار من حلب وريفيها إلى مضايا وداريا، حرصا منها على “إنجاح” التفاوض ولعدم اتهامها بوضع العراقيل في الطريق إلى مصنع الجبن.

يقول أحد المدونين، “الجبن من بعضه”، فعلى أي جبن سترسو سفينتك يا غراب.

كاتب لبناني

9