المعارك الإلكترونية الوجه الافتراضي للحرب النفسية

الأربعاء 2014/06/25
الوحدة والشعور بالإقصاء نصيبا الأغلبية الصامتة

أجمعت الدراسات السابقة، على أن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وأبرزها “فيس بوك” و”تويتر” تؤثر سلبا في المزاج العام، كما أنها تتسبب في تغيير الوعي الفردي مع ما يحتويه من (بناءات) ذهنية ومعرفية مسبقة إلى اتجاهات قد تكون سلبية وعشوائية في معظمها، خاصة للأفراد الذين يدمنون على هذه الوسائل ويضعونها على رأس قائمة مهامهم اليومية.

لكن الأمر قد يكون أعقد بكثير من ذلك، خاصة إذا كان هذا التأثير السلبي يدخل في إطار “الوعي الجمعي” وربما “الوعي الاجتماعي” للأفراد؛ أي مجموعة المشتركات المعرفية لأفراد المجتمع بأكمله التي يحاول التواصل الاجتماعي الافتراضي وضعها في إطار محدد ليتم تفسير الأحداث والحقائق والمسلمات فيما بعد وفق مفهوم آخر لا ينسجم مع نسيجها وربما يعاكس اتجاهاتها.

ويرى علماء النفس ان وعي الإنسان يتكون عادة بصورة تلقائية وعفوية، ويخضع في بعض الأحيان لمقاييس التجارب الشخصية التي تعد مصدرا مهما للمشاعر والتصورات والخلفيات مجتمعة معا، لذلك، يكمن منبع الخطر هنا في محاولة تغيير هذا (البناء) التلقائي والمكتسب في اتجاهات يفرضها أناس غرباء لم نلتق بهم من قبل ولا تجمعنا بهم سوى صورة شخصية وبيانات بسيطة تخضع أغلبها للتزويق، في حين (تطل) علينا آراؤهم وأحكامهم التي يصدرونها على الأحداث وبعض المشتركات الاجتماعية بصورة مجانية ومن دون رادع، مستغلين بذلك سهولة وسرعة وحرية الطرح الذي تتيحه الخدمة التقنية الحديثة.

الحروب والمعارك والثورات والمجازر، التي تسير على قدم وساق في هذه الأيام الكالحة من التاريخ العربي، وجدت في مواقع التواصل الاجتماعي نافذة واسعة لتطل من خلالها على الناس بمعارك صممت على أرض افتراضية (بكر) تعتبرها مواقع إضافية أو بديلة ساخنة لتوسيع مدى الأفعال العدوانية إلى أقوال أكثر عدوانية، مع إمكانية تطويرها إلى حرب نفسية. ويشبه هذا النوع من الإسناد اللغوي المعنوي الإسناد الجوي الذي يغطي مساحة الاشتباكات التي تجري على الأرض في أرض المعركة الحقيقي.

إن المرسل الذكي يلجأ إلى تضمين خطابه الذي يمثل وعيه الذاتي وهدفه المتخفي في هذه المساحة الإلكترونية من دون أن يحتاج إلى تمويه، ويستطيع أن يحظى أيضاً بمشاركة الآخرين وربما إعجابهم بما يتم نشره

من جهة أخرى، لا تستطيع المعارك الإلكترونية أن تصيب الطرف المقابل بطلقة أو قذيفة أو جرح غائر، كما لا يمكنها أن تستخدم العتاد الحي مع الجمهور، كما هو حال العديد من المعارك التي تنطلق في الشارع العربي ذات اليمين وذات الشمال. فالأمر هنا مختلف قليلاً، حيث لا يتطلب سوى كبسات بسيطة على أزرار لوحة المفاتيح، لتنطلق بعدها روافد السموم المغمسة بالعسل (الأسود)؛ في صور بشعة وشعارات سمجة وتراشق بالألفاظ وتعبيرات عشوائية تقشعر لها الأبدان.

مرجع ذلك يعود إلى طبيعة التعبير عن الرأي في مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت، التي تعفي (المهاجمين) من مواجهة خصومهم وجها لوجه؛ حيث ينتفي عنصر الخجل والحرج والكياسة الذي يرافق عادة الحوارات المتمدنة بين مجموعة من الأفراد المجتمعين في الواقع الحقيقي. في وقت سابق، وصف علماء النفس الاجتماعي الصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، كونها مجرد (عروض) جاذبة للغاية حيث تبدو فيها الملفات الشخصية والآراء التي تختفي في سياقها، حقيقية جدا من وجهة نظر المتلقي ولهذا فإن المرسل الذكي يلجأ إلى تضمين خطابه الذي يمثل وعيه الذاتي وهدفه المتخفي في هذه المساحة الإلكترونية من دون أن يحتاج إلى تمويه، ويستطيع أن يحظى أيضاً بمشاركة الآخرين وربما إعجابهم بما يتم نشره باعتبارها موافقة (ضمنية) لمحتوى الخطاب.

وبهذه الطريقة يمكنه أن يمرر آراءه ومفاهيمه وعدوانيته أياً كانت اتجاهاتها. هذه العدوانية ذاتها، تمثل ردود أفعال البعض لكل ما يطرح على مواقع التواصل الاجتماعي من آراء تخالف هواهم واعتقادهم، فضلا عن ذلك، يعتقد أغلب (المتواصلين) من خلال صفحات “فيس بوك” و”تويتر” بأن الآخرين يكذبون في الغالب بشأن الرسائل التي ينشرونها، وعلى الرغم من ذلك فإنهم يقعون بشدة تحت تأثيرها وهذا التناقض في السلوك (الافتراضي) حير العديد من علماء الاجتماع والنفس والاتصال.

تؤكد الدكتورة جيس فوكس؛ أستاذة الاتصال الجماهيري وتقنية الاتصالات في جامعة ولاية أوهايو الأميركية، على الدور الخطير الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في تكوين آراء الجمهور على الرغم من عدم توافر عنصر الثقة في (الآخر) الذي تجمعه بالمتلقي بيئة افتراضية غير ملموسة.

وتعرض الدكتورة فوكس لنتائج أحدث الدراسات في هذا المجال، التي شارك فيها عدد كبير من مستخدمي موقع “فيس بوك” تم اختيارهم بصورة عشوائية للإجابة عن سؤال محدد وهو: “هل تعتقد بأن كل ما ينشر على الصفحات الشخصية من معلومات وآراء حقيقية ودقيقة؟”.

وكانت إجابة معظمهم (لا)؛ حيث يرى أغلبهم أن هذه الآراء في معظمها تعتمد على الانتقائية والتضخيم بعيداً عن المصداقية. وعلى الرغم من ذلك، مازالت (المعارك) الإلكترونية تتواصل ومازالت التعليقات والمشاركات تزداد سماجة ومازال الناس يغذون عدوانيتهم بشن الهجمات بالصور والسباب والشتائم لكل من يخالفهم الرأي.

الفئة المغلوبة على أمرها في مواقع التواصل الاجتماعي التي تعج بالعدوانيين وغريبي الأطوار هي الأكثرية الصامتة

أما الفئة المغلوبة على أمرها في مواقع التواصل الاجتماعي التي تعج بالعدوانيين وغريبي الأطوار، فهم الأكثرية الصامتة وهم يشبهون كثيرا أمثالهم الطيبين الصامتين على أرض الواقع، كما يشاركونهم – بالتأكيد- نتائج صمتهم غير المبرر من قبل الآخرين؛ الوحدة والشعور بالإقصاء وربما التعاسة.

الدكتورة جسيكا غروغان، صاحبة مؤلفات مهمة في علم النفس منها، “علم النفس الإنساني” و “تكوين الذات المتطورة”، تشير في مقالها الأخير في مجلة “علم النفس“ الأميركية، إلى أن سلبيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي قد تطال جميع المستخدمين من دون تمييز، حتى إذا كان المستخدم ينأى بنفسه عن الدخول في (دائرة) الضوء ويفضل المكوث في الجانب المأمون، فهذا لا يمنعه من رؤية الآخرين بتناقضاتهم وكذبهم وتزويقهم للوقائع. فالصمت في مثل هذه الحالات سيكون مصدرا للقلق والحزن أيضا، بسبب الشعور بالعجز عن التعبير عن الرأي خوفا من ردود الأفعال غير المتوقعة.

وتنصح الدكتورة غروغان الذين يعانون من بعض هذه الأعراض أو أغلبها، بإلغاء هذه الخدمة الإلكترونية من أجهزة الكمبيوتر والهواتف النقالة فوراً، حتى إذا كان الأمر متعلقاً بجانب منه بالإدمان في الاستخدام، فهو أكثر سهولة من معالجة الإدمان على التدخين أو الكحول أو المخدرات؛ والإدمان بجميع صوره مضر بالصحة النفسية والعقلية.

20