المعاناة البشرية في الأوج وخرائط الأدب تتغير

يرتبط المبدع بمجتمعه ويتأثر به قبل أن يؤثر فيه، لذا من الصعب جدا الفصل بين المبدع وواقعه. لا يمكن إنكار التغير الذي طرأ على الأدب العربي تماشيا مع التغيرات الكبرى التي طرأت على الواقع، واقع مأزوم مليء أغلبه بالحروب والصراعات الدامية، أدى إلى خلق نوع جديد من الأدب مرتبط بهذا الواقع، يحاول فهمه ويعبّر عنه، فيما يجري الواقع مسرعا، يسرع الأدب بدوره متوسلا أساليب جديدة للحاق به.
السبت 2017/06/10
الكاتب صوت الحقيقة المصقول بالأهوال (لوحة للفنان محمد صالح خليل)

أسئلة كثيرة تطرح حول علاقة الأدب بالواقع. فهل ما تمر به منطقتنا العربية من صراعات واختناقات سياسية واقتصادية وإنسانية أثر على الأدب؟ إذا اتفقنا على أن المبدع بحاجة إلى الاستقرار “المادي والنفسي”. أليست أخبار المتطرفين في ليبيا وسوريا واليمن والعراق مفزعة للكاتب لا تسمح لهم بأن يبدعوا.

ما قدمته في الاستطلاع ليس قاعدة ثابتة وبالطبع هناك استثناءات تستطيع أن تقرأ الكتب وترسم وتكتب وقت الأزمات.

عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك” كتب الروائي الليبي عبدالرسول العريبي “لم أكتب منذ فترة لأني مشتت بين طوابير الخبز والمصرف وأنابيب الغاز والبنزين، أعود إلى البيت منهكا”. وفي المقابل هناك أدباء عاشوا الحرب بتفاصيلها المرعبة، وكتبوا عنها وأصبحت مؤلفاتهم وثيقة مهمة لما حدث. فقد كتب الروائي أرنست همنغواي عن الحرب، عبر رواياته “وداع السلاح” و”لمن تقرع الأجراس”. في العام 1938 أصدر الروائي جورج أورويل روايته “الحنين إلى كتالونيا”.

يقول الشاعر العراقي زيرفان سليفاني “عندما نتكلم عن الإبداع، الشعر خاصةً، يعني بالضرورة الحديث عن عدم الاستقرار النفسيِّ في المقام الأول، حيث إنَّ الشعر والعمل الأدبي رهان القلق بشكل مستمر”، وأضاف “المنطقة العربية أصابها الشللُ في كلِّ ناحية من نواحيها، ما يؤثر سلباً على المجتمع، والمبدع فرد منه، وهو كائنٌ سوسيولوجي، يُظهر التدهور الأخلاقي على الملأ، أما الصراعات فتؤثر على المبدع في نتاجهِ عموماً، تأثيراً حاداً، يتمظهر من خلالِ أعماله، هل هو بحاجة إلى الاستقرار؟ أعتقد نعم، إذا كنَّا نقصد بذلك ‘الاستقرار‘ السلام والعدل”.

الأدب والماساة

تعتقد الشاعرة السورية وداد نبي أن العملية الإبداعية تختلف من شخص لآخر، وليست مرتبطة بعامل الاستقرار تحديداً، الكثيرون يكتبون في ظل ظروف عدم الاستقرار والقلق، وقد يكون هذا بحد ذاته دافعاً قوياً للعملية الإبداعية.

وتتابع “أميلُ إلى القول إن ظروف عدم الاستقرار تحرضُ على إنتاج أدب نوعي ومختلف وخارج عن الأطر التقليدية السائدة. الحروب، الثورات، الظروف السياسية المتغيرة، تغييرات البنية التحتية للمجتمعات… كل ذلك يساهم في دفع المبدع إلى إعادة طريقة تفكيره ورؤاه حول ما يحدث، وتشكيل وعي جديد تحت تأثير المتغيرات التي تولد كل يوم في المحيط العام، فالمبدع الحقيقي لا يعيشُ خارج المجتمع، بل هو جزء هام منهُ، وبالتالي يغدو من المنطقي والطبيعي تأثر نتاجه الأدبي بالمحيط العام، يتأثر ويؤثر فيه”.

وتلفت نبي إلى أنه مؤخراً طرحت الحرب في سوريا نماذج متنوعة ومختلفة من النتاجات الأدبية، وهي مختلفة في سويتها، لكن ذلك كان محرضاً على إنتاج أدب يوازي حجم المأساة السورية، أدب يحاول بشتى الوسائل أن يكون صورة كل ذلك الخراب والدمار والموت، نجح مرات وفشل مرات أخرى، كما تقول، وذلك الصراع كان إيجابياً في أحد وجوهه في الأدب، برأيها، فالركود لا يقدم شيئا بينما الحراك ومهما بدا سيئاً فإنه في النهاية يقدمُ نماذج وتجارب جديدة يستطيع الزمن غربلتها في ما بعد، على الرغم من كونه طرح أدباً تجارياً واستهلاكياً أيضاً، أدباً وفق المعايير التي تتطلبها السوق التجارية الأدبية “ترجمات الأدب السوري في ألمانيا نموذجاً”، وليس أدباً متحررا من متطلبات تسويق القراء والناشر.

الشاعرة وداد نبي: ظروف عدم الاستقرار تحرضُ على إنتاج أدب نوعي ومختلف وخارج عن الأطر التقليدية السائدة

تضيف الشاعرة وداد نبي “عموماً توجد تجارب عديدة في العالم حول تأثير الصراعات والحروب في الأدب كتجربة ‘مجموعة 47’، التي نتجت بعد الحرب العالمية الثانية في ألمانيا، حيث كان نتاج هذه الجماعة معبراً عما خلفته الحرب في الواقع من تغييرات. وكان نتاجها من أفضل نتاجات الأدب في تلك المرحلة، ومن ضمن المبدعين كان غونتر غراس وهاينريش بُل. وأعتقد أن ‘الصدمة’ التي تخلفها الصراعات والحروب في نفسية المبدع تدفعهُ إلى البحث عن أساليب وتقنيات أدبية جديدة للتعبير عن الواقع وهو ما يسهم في رفع سوية ونوعية الأدب عموماً”.

تيار جديد

تتأسف الروائية اللبنانية مريم مشتاوي لتراجع دور المثقف في مجتمعه لأسباب عديدة، منها تراجع الحركة الثورية التي ارتبط بها المثقف خاصة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، بسبب طبيعة العصر الذي نعيش، وأيضا بسبب القمع والاضطهاد السياسي والفكري خاصة في منطقتنا العربية.

وتضيف “عادة الوجع يصقل الكاتب وهو المحفز الأكبر على الكتابة والإبداع. فإن توفرت له ظروف الكتابة فقد تكون ثمة أحداث كبرى لا يستطيع المبدع أن يعكسها بشكل سريع وتتطلب وقتا كي يستوعبها ويخرجها في عمل أدبي جيد. منذ بداية القرن العشرين، كان للمثقف دوره البارز في الحركات الثورية التي ناهضت القمع والاستبداد والكولونيالية، ودعت إلى حرية التعبير وحقوق الإنسان، أي إنسان، مهما كان دينه وجنسه ولونه. لقد ازدهرت حركة ثقافية كبيرة على المستوى العالمي بالتوازي مع صعود الاتجاهات الثورية، وحركات التحرر الوطني في العالم الثالث. وفي منتصف القرن الماضي، عرفنا مثقفين وقفوا ككتاب وأشخاص ضد الصعود النازي والفاشي، ودفعوا ثمنا باهظا نتيجة مواقفهم، سجنا وقتلا ومنفى”.

وتتابع مشتاوي “على سبيل المثال وليس الحصر تولستوي كتب ‘الحرب والسلام’، بعد مرور عقود طويلة من انتهاء الحرب. الوجع كالجنين يرقد في أحشاء الكاتب ويكبر داخله بهدوء ويولد عندما تكتمل عناصره بطلق عنيف. قد يرقد أشهراً أو سنوات ولكن ولادته حتماً آتية لا مفر منها. المبدع يكتب حين يشعر بحاجة ملحة للكتابة. هذه الحاجة هي بمثابة الطلق. فالكتابة هي علاج نفسي من كل خيبة، تساعد على تخطي الأزمات وتطهر الأعماق من رواسب الخذلان. الصراعات والأحداث الأليمة في منطقتنا حركت تياراً أدبياً جديداً يُعنى بالهجرة والمهاجرين. ما زال التيار في أوله ولكنه مبشر بولادات أجنة مختلفة”.

الروائية اللبنانية مريم مشتاوي: عادة الوجع يصقل الكاتب وهو المحفز الأكبر على الكتابة والإبداع

يقول المترجم الليبي مأمون الزائدي “المبدع في مناطقنا العربية كان دائماً بعيداً عن الاستقرار والشعور بنعمه، ما عدا قلة قليلة تفيأت ظلال السلطة الوارفة وحظت ببركات عطائها الجزيل. فالقضية هي أن الحياة الحقيقية مصادرة في مجتمعاتنا السابقة، الحياة من حيث القبول بتنوعها واختلافها وتناقضاتها، وشحيحة لأسباب انتهت الآن بفشل الدولة القومية وانهيار مفهومها المتعارف عليه. المبدع لم يكن هانئاً بالمعنى الرومانسي ولم تكن أيامه الحافلة بالمصادرات والمطاردات والسجون والإعدامات مستقرة أبداً، إضافة إلى طبيعته القلقة المأزومة وموقعه الخارج عن إطار مكانه الجغرافي وزمنه المرتهن بالسلطة”.

مصادرة ومطاردات

يرى مأمون الزائدي أنه في خضم الاعتمال والتخلّق الناتجين عن هذا الدمار الشاسع الذي نمر به، هناك غنى وثراء لا بد أن يتكشّفا عن إبداع ثمين بما هو وثيق التماس مع المعاناة البشرية ومحن وأهوال البقاء كجسد بعد استحالة التشبث بالقيم والأحكام التي يستند إليها الوجود المعنوي. هذا الهدم العظيم الذي يحيطنا هو فعل بناء وفحص لكل المنظومات التي كانت تشد وصلات الحياة في مكانها وبالتالي فالمبدع في انكشاف وجلاء وتغير المألوفات سيجد واقعاً آخر وتوازناً جديداً ربما يكون أقرب إلى الصيغة الحقيقية للحياة من الصيغ المزورة المصطنعة التي دأب على تحمّل الانضواء تحتها. هذه الحياة الجديدة سيصنعها من هم أكثر إعلاء لقيم المشاركة والاقتسام والتعايش، الأكثر حرصاً ممن يهدرونها ولذلك فهي تعترف بالاختلاف والتعدد وترفض الأفكار الأحفورية حتى وإن ادعت القداسة، بل تضع الإنسان في مواجهة كوابيسه وتابوهاته.

هذه الحياة الجديدة تتيح إمكانية أكبر لحركة الأفراد نحو تحقيق مصالحهم والعناية بشؤونهم دون الركون لفكرة السلطة أو الدولة المانحة لرعايتها الحنون، المبادرة والاشتراك المباشر في الفعل وتوليد آليات أكثر فعالية هي أهم أدوات التغيير فيها.

المترجم الليبي مأمون الزائدي: في خضم هذا الدمار الشاسع الذي نمر به هناك غنى وثراء لا بد أن يتكشّفا عن إبداع ثمين

ويتابع الزائدي “المبدع موجود داخل هذه الإعادة القسرية القاسية لضبط المصنع. لكن تعابير عديدة سيعفو عليها الزمن الجديد وسنضطر مؤقتاً إلى تقبّل ما نعده هراء وغثاء، وسنرى الصعود غير السار لمنتج يدعي الإبداع ولا ينتسب إليه. لكن ذلك لا يمنع الجيد والأصيل بل يؤكده وينبه إليه، كل ما في الأمر أن القاعدة ستتسع وسيقرأ -وهذا شيء جيد- كل شخص ما يناسبه دون أن يضطر إلى الإنصات لمن يعتبرهم أصناما يراها تتحدث إلى نفسها تحت ذرائع نخبوية. في هذا التفكيك تحرير للإبداع الصادق من قاصدي الشهرة ومهرجي السلطان وذوي المآرب الأخرى ممن كان يتعين اعتبارهم جميعا كمبدعين ومثقفين في صرة واحدة. وكل ذلك إذا واصلنا التفاؤل سيقود إلى مبدع أكثر استقراراً وإنتاجاً في بيئة أكثر توازناً وحرية. فالحرية لا تتجزأ ولا أحد بإمكانه حصر حريقها المتوحش في شيء بعينه، وحالما تندلع فهي ستأتي على كل شيء، تلك الحرية الجميلة الشرسة”.

ويضيف “على صعيد الواقع، نعم ستتغير خرائط الإبداع المكانية انعكاسا لحرائق الحروب والهجرات وستنشأ ممالك جديدة مؤقتة تتولد كما يتولد أثرياء الحرب ولكن لا شيء يضمن بقاءها بشروطها إلا إصرار المبدع على مواصلة تتبع مناهجه القديمة وارتعابه من التغيير الذي يجب أن يقتحمه ويقوده نحو الأفضل. كان المبدع دائما أسير تابوهات لا يحلم باختراقها إلا بثمن فادح والآن تتفسخ أمامه وعليه ألا يخاف السير، أن يصنع ما يضمن استقراره”.

وتؤمن الشاعرة اللبنانية نسرين كمال بأن الإبداع الفني والأدبي لا ينفصل عن الحياة بكل مستويات تمظهرها وكل صراعاتها والمبدع والمبدعة هما من نسيج الحياة بزمكانيتها وهما مؤثّران ومتأثران.

وتابعت “الإنسان المبدع هو صاحب تجربة خاصة وبقدر فرادتها هي متواشجة مع ظروف وتقلبات المكان الذي يعيش فيه والحضارة التي يأتي منها، ولا يشذ عن القاعدة المبدع العربي الذي يهضم

تيارات الوعي العالمي داخله فيما يتخبّط في بلاد ما زالت ترزح في الغيبيات والظلامية وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وتضعضع الشعب وغموض الهويّة ورجرجة الانتماء. وبالتالي فإن النتاج الأدبي مرآة تعكس كل هذه الظروف ولكنها مرآة رائية أيضاً لأنها تلاحق جموح العصر والذات الأعمق التي تقدر على الانفلات من الآن إلى نوافذ الاحتمالات. نحن هنا وهناك، يختلط الماضي بالحاضر والمستقبل، الحلم بالواقع، القهر بالتمرّد، اليأس بالحلم والموت بالحياة”.

15