المعايدة.. أضحت افتراضية أيضا

ما زاد الطين بلّة أنّ الوسائط الإلكترونية الحديثة عوّضت اللقاءات المباشرة، ولسائل أن يسأل: هل يكفي أن أرسل رسالة إلكترونية قصيرة، أو أجري مكالمة لا تتجاوز الدقيقة من الزمن، أو أكتفي فقط بإيموجي، للتهنئة بالعيد للقريب والبعيد؟
الأحد 2018/08/19
التواصل الإلكتروني غير قادر على حمل المشاعر والأحاسيس

أضحت التكنولوجيا الحديثة وسيلة قد تجمع الشمل وتوحّد وقد تفرّق الشمل وتشتت، وتأتيك بالأخبار والتعليقات والتبريرات -خاصة في المناسبات والأعياد والمحطات الاجتماعية الكبرى- رغم أنك لم تطلبها، ولكن بدافع الفضول تتصفّح كل يوم بل في كل برهة من اليوم مواقع التواصل الاجتماعي لعلك تظفر بالخبر اليقين الطازج الذي لم يسبقك إليه أحد.

من ذلك أنّني سمعت في إحدى المناسبات تصريحا على أمواج إحدى الإذاعات لمّا سُئلت إحداهن عن دور المعايدة بمناسبة العيد وكل المناسبات الدينية وحتى الاجتماعية في إحياء الروابط الدموية والعائلية، بأن “لمّة العيد” أصبحت تقليدا باليا لا جدوى من ورائه في أيامنا هذه، ودافعت عن رأيها بحجة أن الإنسان، وفي ظلّ التطورات التي شهدتها المجتمعات الحديثة، قادر على العيش بمفرده وفي نطاق أسرته الضيق جدّا.

المشكلة لا تكمن في كون طبيعة الحياة قد تغيّرت وتغيّرت معها العلاقات الأسرية والاجتماعية، ولكنّها تكمن في قناعة البعض بل تبنيهم لهذا الاهتراء الذي أصاب جملة العلاقات الإنسانية فتحجّرت ولم يعد هناك من مهمّ أو أهمّ دينيا وأخلاقيا وقيميّا وإنسانيّا، فالروابط الدموية المقدسة وروابط الجيرة والصداقة والعشرة والانتماء والثقافة وغيرها، فقدت بريقها، وأصبح البعض منّا يعتبرها ولّت ولا طائل من وجودها. ألهذا الحدّ فقدنا البوصلة، وتهنا في سراديب الأنانية والانتهازية وحب الذات؟

محور العلاقات الاجتماعية هو الوجدان بما تحمله الكلمة من أحاسيس ومشاعر فياضة، فالوصل في مثل هذه المناسبات ليس مجرّد مجاملة تفرضها الأوضاع الحياتية المختلفة بقدر ما هو تجسيد حيّ لعاطفة تتخذ أشكالا روحية مختلفة، فالحبيبان يلتقيان عند نقطة اللقاء الروحي بين الذكر والأنثى والتي تنعكس إيجابا في ما بعد على تركيبة الأسرة وبنائها الهرمي في تواصل طبيعي بين الأجيال، أما الأنواع الأخرى من العلاقات فتحددها طبيعة العيش؛ فالجيرة والصداقة والزمالة في العمل، كلها علاقات اجتماعية تخضع لمنطق روحي أيضا ولكنه لا يخلو من مصلحية وبراغماتية.

فحسب اعتقادي ورغم التطوّر الهائل الذي لحق حياة البشرية وشيّأها إلى أبعد الحدود ونزع عنها أبعادها الروحية والوجدانية والأخلاقية المتعددة، بمرجعياتها الدينية والثقافية والإنسانية، فإن العيد يبقى عيدا بمدلولاته الدينية والعائلية والاجتماعية، ولا مجال لتبني أن “لمّة العيد” خرافة ولا طائل من ورائها، إلا إذا نزعنا من ذواتنا كل مشاعر وأحاسيس الحب والودّ والتآلف والرغبة.

ما زاد الطين بلّة أنّ الوسائط الإلكترونية الحديثة عوّضت اللقاءات المباشرة، ولسائل أن يسأل: هل يكفي أن أرسل رسالة إلكترونية قصيرة، أو أجري مكالمة لا تتجاوز الدقيقة من الزمن، أو أكتفي فقط بإيموجي، للتهنئة بالعيد للقريب والبعيد؟

للأمانة، يعمد بعض ناشطي صفحات التواصل الاجتماعي، ولكثرة عدد أصدقاء صفحاتهم الافتراضيين، إلى نسخ “تهنئة” جاهزة ويمررونها بضغطة زر إلى كل حسابات أقربائهم وأصدقائهم وأحبائهم. لا أعتقد بأن التواصل الإلكتروني الجاهز والجاف قادر على حمل المشاعر والأحاسيس إلى من نحب أو نحترم.

المشكلة الأساسية لا تكمن في كون العلاقات البشرية عموما أصيبت بنوع من الكساد والارتخاء، ووجدنا أنفسنا نبرر كل ذلك بضيق الوقت وتنوع المشاغل وكثرتها ووطأة المتطلبات المعنوية والمادية لأداء مهامنا الأسرية والاجتماعية، ولكنها تكمن في التصحّر الوجداني والعاطفي، حيث فقد الحضن الدفء ونزعت الروح ألقها وسحرها.

ترعرعنا في أسر نقبّل فيها بعضنا صباحا مساء، ويحتضن فيها الصغير الكبير فيخفف عنه وطأة الزمن، كما يربت الكبير على كتف الصغير ليشجعه ويدفع لديه الموجات الإيجابية، وكنا نسعى لإحياء معاني الأبوة والأخوّة والصداقة والجيرة، في جوّ من التناغم والانسجام والتآلف.

بأيّ منطق يحقّ لنا أن نعتبر علاقاتنا الأسرية والاجتماعية الحميمية إرثا من الماضي لا بد من تجاوزه؟ وما البديل الأخلاقي لدينا؟ تساؤلات إنكارية بمعانيها البلاغية لا نبحث عن إجابات لها بقدر ما نسجّل استغرابنا من اغترابنا وغربتنا عن ثوابتنا الثقافية والحضارية.

الآن فقط فهمت لماذا يطاوع قلب أحدهم فيأخذ أمه أو أباه ليودعه “دار العجّز/المسنين”، متناسيا حجم التضحيات والمعاناة التي تكبداها من أجله، ومتغافلا عن النصوص الدينية التي تُعلي من شأن الوالدين واقترن رضاء الله عن الإنسان برضاء والديه عنه.

كل الدراسات الاجتماعية تؤكد على أن العلاقات بين البشر يشتدّ ألقها وحميميتها في المناسبات سواء كانت الدينية كالأعياد ورمضان والمولد النبوي الشريف بالنسبة للمسلمين، كما أعياد المسيحيين وغيرهم من معتنقي الديانات السماوية والوضعية أيضا، أو كانت مناسبات اجتماعية في حالتي الترح والفرح. إذن هي جزء مفصلي في بناء الشخصية الثقافية والحضارية لأي مجتمع، ومن هنا تتجذّر أهمية هذه العلاقات في مثل هذه المناسبات والتنكّر لها لا يعدو أن يكون إلا نوعا من الانبتات عن الجذور والثوابت.

مناسبة العيد هي إحدى المناسبات الدينية والاجتماعية والثقافية، التي يجب أن تتوطّد فيها العلاقات خاصة بين الأقارب ممن تجمعهم روابط دموية قوية.

21