المعايدة الإلكترونية تلغي التعامل بـ"الكارت بوستال"

البطاقات البريدية لا تزال في بعض البلدان الأوروبية شكلا هاما من أشكال التواصل بين الأشخاص رغم ظهور الإنترنت التي أصبح فيها التواصل لا حدود له.
الخميس 2019/10/17
مع البطاقة تصبح المشاعر ملموسة

دخول الإنترنت إلى عالمنا جعل كل شيء متسارعا حتى المشاعر والذكريات، صرنا نتبادل التحيات عبر الهواتف الذكية ونسجل ذكريات زياراتنا للأماكن الجميلة بصور السيلفي، بعد أن كنا نخط الرسائل ونبعث بطاقات المعايدة في المناسبات وفي غير المناسبات لنعبر عن مشاعر المودة بيننا، ونوثق عطلتنا بكارت بوستال من البلد الذي زرناه، وهذا لا يعني اختصارا في المشاعر بين الناس ولكنه زمن التكنولوجيا الذي جعل بريق بطاقات المعايدة يأفل بعد قرن ونصف القرن من عمرها.

فيينا- يبدو البحر هادئا، والمنظر الطبيعي خلابا، والمائدة عامرة بأطيب الطعام، والجو رائعا. تعتبر هذه الجمل من العبارات الكلاسيكية عند وصف الإجازات من خلال بطاقات المعايدة (الكارت بوستال)، هذه هي الوسيلة الفعالة للتواصل والتي تكمل الآن 150 عاما على بداية استخدامها.

وتعكس هذه النصوص المختصرة أفضل أوقات العام، روح عصر بعينه، كان مهما فيه، حتى ثلاثين أو أربعين عاما أن يبدو الناس وقد لونت شمس الصيف بشرتهم ودبغت جلودهم باللون البرونزي خلال فترة الإجازات.

يؤكد عالم اللغة الألماني بجامعة زيورخ هايكو هاوزندورف أن “الناس كانوا يتباهون بذلك ويذكرونه بكل فخر من خلال بطاقات المعايدة”.

يوضح هاوزندورف أنه مع ظهور الإنترنت تغير كل شيء، ولكن قبل ذلك كانت بطاقات المعايدة تحمل أيضا تفاصيل كثيرة عن الفنادق والخدمات وأحيانا يظهر البعض الكثير من التقدير للخدمة والمعاملة الودودة، مشيرا إلى أن الفرق بين وسيلتي التواصل: بطاقات المعايدة والإنترنت، أن التواصل في الأولى كان يقتصر على اثنين فقط، أما في الثانية فالشبكة العنكبوتية لا حدود لها.

قبل أن تصبح بطاقات المعايدة موضة، كان هناك نموذج سابق أطلق في الأسواق وحقق نجاحا منقطع النظير، وقد ظهر هذا النوع الجديد من التواصل عبر البريد، مطلع أكتوبر 1869. كانت خدمات البريد النمساوية المجرية أول من أطلق هذه الخدمة البريدية في العالم، وسرعان ما تحولت إلى موضة حققت انتشارا ونجاحا واسعا.

وتعتبر بروسيا بلد منشأ الفكرة الأصلية. ومع ذلك تم تجاهل ذلك الاقتراح على اعتبار أن هذا النوع من الاتصالات “غير لائق”، وأنه في ذلك الوقت كان يتعين الإبقاء على محتوى البطاقة البريدية في دائرة الخصوصية، ولم يكن ينظر لقراءة بطاقة بريدية على أنها أمر مهذب. تبنت النمسا الفكرة. لماذا لا يمكن إرسال رسائل بسيطة أو تهنئة في شكل ملخص بدلا من خطاب؟ وبالفعل تحول الأمر إلى واقع وأصبحت البطاقة البريدية تعبيرا عن ذلك الغرض.

يوضح هاوزندورف “أصبحت بطاقات المعايدة شكلا من أشكال التحرر، نظرا لأن الرسائل كانت تتطلب المزيد من الجهد على من يحررونها، كما أن أسلوبها كان مختلفا”.

مع ظهور الإنترنت تغير كل شيء
مع ظهور الإنترنت تغير كل شيء

ويضيف أن كتابة البطاقات البريدية تعني أيضا طريقة مختلفة للتعبير عن نفسك في الكتابة. تسبب نجاح البطاقة البريدية في النمسا في انتشارها إلى العديد من البلدان الأخرى في وقت قصير. في المملكة المتحدة، تم بيع أول بطاقات بريدية في مطلع أكتوبر عام 1879. وكانت كندا أول دولة خارج أوروبا قامت بتداولها.

يتابع هاوزندورف تحليله لأثر انتشار تداول بطاقات المعايدة، قائلا إنها طرحت مجموعة منوعة من الإمكانيات بفضل الصورة التي كانت أولية في ذلك الوقت، موضحا أنه كانت الفكرة الأصلية من وراء بطاقات المعايدة هي إرسال صورة المنتج، بينما تم تخصيص الجانب الآخر من البطاقة البريدية فقط لوضع عنوان المستلم، ولكن في عام 1905 تم نقل مساحة العنوان إلى جانب واحد وفي بقية البطاقة البريدية كانت هناك مساحة لإرسال التحيات أو التعبير عن المشاعر.

واستمر لعقود من الزمان، في هذه المساحة القصيرة، الحديث عن مدى روعة العطلات ومدى جمال الشواطئ أو الأنشطة التي يتم القيام بها خلال أيام الراحة والعطلات. على الرغم من وصول التحيات الآن بالوسائل الرقمية وقبل العودة إلى المنزل، يمكنك إرسال صور عطلتك إلى أصدقائك باستخدام هاتفك الخلوي، إلا أن البطاقات البريدية لا تزال في بعض البلدان الأوروبية شكلا هاما من أشكال التواصل بين الأشخاص.

وفقا لاستطلاع أجرته جمعية “بتكوم” الألمانية الرقمية، خطط واحد من كل اثنين من الألمان لإرسال بطاقة بريدية أو خطاب من مكان عطلتهم إلى أولئك الذين بقوا في المنزل.

يقول عالم اللغة الألماني بجامعة زيورخ، هاوزندورف “لكن كل الجهود التي يجب بذلها لإرسال بطاقة بريدية هي أيضا وسيلة للتعبير عن التقدير للمستلم“. جدير بالذكر، أن المكتبة الوطنية النمساوية تتيح مراجعة رائعة لعالم البطاقات البريدية التاريخية حتى الأربعينات.

ومن ثم يمكن لأي شخص مهتم برؤية المدن والمناظر الطبيعية دون سيارات أو أعمدة إنارة، ولكن مع السيارات التي تجرها الخيول والقوارب الشراعية، التحقق من بوابة المكتبة على الإنترنت، والتي تضم أكثر من 75 ألف بطاقة بريدية من جميع أنحاء العالم. لفترة طويلة، كان إرسال البطاقات البريدية وسيلة لإظهار وضع يعكس نوعا من الرفاهية الطبقية أيضا. وفقا لـهاوزندورف، كانت الرسالة الأساسية “بوسعنا تحمل عبء هذا الترف”.

في أوقات رحلات الطيران بأسعار اقتصادية، لم يعد هناك جدوى من هذه الرسالة في الكثير من الأحوال. بالإضافة إلى أنه، على أي حال، الآن حينما يمضي أحدهم العطلة، لم تعد الأمور تجري عادة كما يشتهي بهذا الشكل الرائع، وهي تفاصيل لا يحب أحد في الأغلب أن يرويها في بطاقات بريدية.

20