المعايير المختلة للإرهاب

الاثنين 2015/11/16

مع أن هناك مقاييس معروفة لتعريف العمل الإرهابي، إلا أن العالم لم يصل إلى معايير جامعة مانعة له، وتركت المسألة لأهواء وأغراض الدول، تتحكم في تحديد معنى الفعل الإرهابي، فأحيانا يكون التصرف واحدا، لكن الحكم عليه من منطلق أنه يندرج تحت لافتة الإرهاب أم لا، يخضع إلى جملة من الحسابات السياسية والأمنية وليس القانونية.

مناسبة هذا الكلام تأتي مع تواتر الازدواجية التي أصبحت طاغية على تصورات وممارسات بعض القوى الكبرى، التي أضحت ترسم خريطة الإرهاب في العالم، فقد انتفضت دول كثيرة في العالم مساء الجمعة الماضي، على وقع الهجمات التي استهدفت أماكن مختلفة في قلب باريس، وخلفت وراءها عشرات القتلى والمصابين.

وكأنها كانت آمنة بأن العمليات الإرهابية لن تصل إلى أوروبا، وبدأت سيمفونيات التعاطف والإدانة والشجب والتهديد تعود إلى الخطاب السياسي الغربي بشكل حاد، وتزايد الكلام عن استهداف قيم المجتمع الغربي، وضرورة بتر الإرهاب، ومن يقف خلفه.

وقد استنفرت فرنسا قوتها القصوى وأعلنت حالة الطوارئ وأغلقت حدودها (مؤقتا) أمام الأحداث التي هزتها بقسوة، وتسابقت دول وشخصيات ومنظمات متعددة في التنديد، وتقديم المساعدات الأمنية، وبدا الموقف عازما على الدخول في مواجهة أشد حسما مع الإرهابيين، ووضع حد لسياسة الكيل بمكاييل التي تتبناها قوى كبرى، وكبّدت فرنسا ذاتها جملة من الخسائر الفادحة. في حين أن غالبية أعضاء الفريق، كانوا قبل حوالي أسبوعين، يتحدثون عن وجود عمل إرهابي أدى إلى سقوط الطائرة الروسية فوق صحراء سيناء المصرية، وبدلا من أن يميل خطابهم للتضامن مع مصر، والتكاتف معها لمواجهة الغول الذي يهدد بقاعا كثيرة في العالم، اتخذوا من العمل الإرهابي المفترض، ذريعة لصب غضبهم واتهاماتهم، ليس فقط على التقاعس الأمني في مطار شرم الشيخ، الذي أقلعت منه الطائرة الروسية، بل جرى التعميم على جميع المطارات في مصر.

لا أقصد الدفاع عن مصر، ولا التهوين من مخاطر الإرهاب الذي يضرب فيها بكل قوة منذ أكثر من عامين، لكن ما قصدته، الوقوف عند ازدواجية المعايير التي أصبحت فاقعة في هذا الملف، وكأن المطلوب أن يظل الالتباس موجودا ومسيطرا، باعتباره يمنح البعض نوافذ للهروب من المحاسبة عند الحاجة.

فما معنى التفرقة الحاصلة في خطاب بعض القوى بين الإرهاب الذي يقوم به داعش وجبهة النصرة في سوريا؟ ولماذا لا يتم التعامل مع الإرهاب الذي تقوم به الميلشيات الشيعية والسنية في العراق على قدم المساواة؟ وكيف نفهم تشكيل تحالف دولي لمكافحة الإرهاب في كل من العراق وسوريا، ولا يتم التعامل بالميزان نفسه مع ما يجري في ليبيا؟ وكيف تحارب روسيا الإرهاب في سوريا بمفردها، في الوقت الذي تحاربه أيضا الولايات المتحدة الأميركية ومعها عشرات الدول؟ ومن أين تأتي جرأة إسرائيل لإذاعة فيديو عملية اغتيال المبحوح في دبي؟

ربما يكون هذا جزءا من علامات الاستفهام الظاهرة على السطح، والتي تدور في أذهان كثيرين، عندما يرون على مرأى ومسمع الازدواجية الراهنة في المعايير التي يتم التعامل بها مع الإرهاب الذي يضرب هنا وهناك، دون أن يدري أحد أين سيكون الهدف التالي.

الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها اتفقوا، صراحة أو ضمنيا، منذ أحداث سبتمبر 2001 على فكرة تصدير الإرهاب إلى دول بعيدة، أو بمعنى أدق محاولة حصره خارج دولهم، فجرت الحرب على أفغانستان ثم العراق، وتركت التنظيمات الإرهابية تنمو وتكبر في كليهما، وتم توفير ملاذات آمنة لها في الصومال ونيجيريا ومالي والنيجر، ثم سوريا وليبيا وغيرها، على أمل أن يوجه الإرهابيون، من أمثال القاعدة وشباب والمجاهدين وبوكو حرام وداعش وأنصار الشريعة.. ضرباتهم وقنابلهم وانتحارييهم إلى صدور الحكام والشعوب العربية والإسلامية، ويكتفوا بهذه الأهداف، دون أن يفكروا في نقلها إلى دول غربية.

مرت بضعة سنوات، بدت فيها الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، في مأمن من الحركات المتطرفة، باستثناءات قليلة، مثل حادث شارلي إيبدو في فرنسا أيضا، الذي كان بمثابة جرس إنذار، يشي باحتمال أن تكون دول أخرى هدفا قادما، خاصة أن خطاب زعماء التطرف، من نوعية أيمن الظواهري وأبوبكر البغدادي، امتلأ بالوعيد، وحذر من أن الغرب محطته المقبلة.

النتيجة أو الدروس التي يمكن التوقف عندها، مليئة بالمعاني السياسية والأمنية، أبرزها أن لا أحد يستطيع أن يكون في مأمن تماما، أو بعيدا عن الإرهاب، لأن شبحه أصبح يطل على أماكن كثيرة، وأن السياسات المتصادمة، والحلول الفردية، والأهداف الخفية، التي تطغى على ممارسات دول كثيرة لم يعد لها مجال، كما أن قدرة البعض على السيطرة على مفاتيح التنظيمات المتشددة، أضحت محل شك، لأن هناك عناصر فقدت قياداتها التحكم فيها. عمليات باريس الست التي وقعت أخيرا ليست من هذا النوع، حيث تمت بصورة محكمة في طبيعة الأهداف وتزامنها، بما ينذر أن هناك نوعيْن ظاهريْن من العلميات الإرهابية، أحدهما منظم، وهو الذي يركز على الدلالات والتأثيرات السياسية، قبل الأمنية، والآخر عشوائي يضرب في أي مكان أو زمان.

في الحالتين، لم تعد هناك رفاهية لاستمرار التناقضات الحالية في طريقة التعامل مع الإرهاب، فالمسألة لا بد أن تتسم بالكثير من العقل والحكمة والحزم، لأن مواصلة تصفية الحسابات على أوتار العمليات الإرهابية، سوف تؤدي إلى اختلاط الحابل بالنابل، وتفتح المجال لمشاركة أجهزة أمنية في بعض الدول، لإحراج دول أخرى، والدخول في سلسلة جهنمية لا تنتهي حلقاتها، ولن يعرف العالم أولها من آخرها.

كاتب مصري

9