المعجزة قد تتحقق مرتين

الأحد 2016/11/20

هل هو عصر المعجزات قاد عاد من جديد؟ هل انقلبت الخارطة الكروية في أوروبا؟ وهل هو زمن الضعفاء؟ ربما يحقّ للفقراء دخول الجنة والتمتع بنعيمها وملذاتها، فما تحقق الموسم الماضي في الدوري الإنكليزي الممتاز عندما سبق نادي ليستر سيتي الجميع وأطاح بالكبار بكل اقتدار، ليتوّج باللقب الغالي وسط دهشة وإعجاب كبيرين من الجميع قد يتكرّر هذا الموسم، لكن في الدوري الألماني.

ما يقدّمه حاليا نادي نيس في البطولة الفرنسية مثلا يؤكد أن هنالك فرصة قائمة الذات أمام الفرق الصغيرة كي تصطاد في بحر الكبار، بيد أن ما يحققه نادي لايبزيغ المغمور إلى حد الآن في منافسات الدوري الممتاز الألماني يدعو أكثر وبإلحاح أكبر إلى إعادة التفكير في ماهية المعجزات وقدرتها على التكرر للمرة الثانية، وللموسم الثاني على التوالي.

فبعد مرور 11 جولة بالتّمام والكمال على انطلاق الدوري الألماني يتربع نادي لايبزيغ على عرش الصدارة، إذ فاز في ثماني مناسبات وتعادل ثلاث مرات ولم يخسر البتة إلى غاية مباراته يوم الجمعة الماضية ضد بايرن ليفركوزن، حيث قلب الطاولة عليه وهزمه على ملعبه وأمام جماهير، ليؤكد تمسكه بالصدارة.

إنها فصول وملامح أولية لملحمة كروية جديدة أو معجزة قادمة من بلاد جرمانيا، والسبب في ذلك هو وجود عدة معطيات موضوعية تؤكد أن ما يحققه حاليا هذا الفريق المغمور أوروبيا ومحليا كان في نظر المتابعين للدوريات الكبرى ضربا من ضروب الخيال والجنون.

لايبزيغ صعد حديثا إلى الدرجة الأولى، ففي منافسات الموسم الماضي وجد منافسة قوية للغاية من نادي نورمبرغ قبل أن ينتزع في نهاية المطاف المركز الثاني الذي أهله للصعود المباشر بمعية نادي فرايبورغ، فكان من الطبيعي والبديهي أن تنتهي فترة الاحتفالات بالصعود سريعا، ويبدأ العمل استعدادا للموسم الجديد، حيث سينافس الفريق الفتيّ الكبار.

كان من الطبيعي أيضا أن تكون أهم الأولويات لدى القائمين على هذا الفريق هي المنافسة من أجل البقاء وتثبيت الأقدام في دوري النجوم والأضواء، وإن حصل ذلك في نهاية المطاف سيكون لكل حادث حديث، ولكل مقام مقال.

بدأ العمل الجدّي والاستعداد الحثيث، وتم تكوين مجموعة شابة ومغمورة من اللاعبين، لم يتم البحث عن التعاقد مع لاعبين معروفين ونجوم، بل كان الهاجس الأول هو تشكيل فريق متجانس ومتكامل دون صخب أو ضجيج، وهو ما حصل فعلا بعد تكليف المدرب رالف هازنهاتل بهذه المهمة.

لم تكن لدى إدارة النادي عائدات ضخمة أو ميزانية كبرى للتعاقد مع عدد كبير من اللاعبين، ومن الطبيعي وفق هذا المنهج أن يتمّ تحديد الأهداف وفق الحاجيات والأموال المرصودة، الهدف هو إنهاء الموسم في مركز مريح بعيدا عن منطقة الهبوط.

ومع ذلك، ربما كان المدرب هازنهاتل يدرك لوحده أن هنالك وصفة سحرية وخلطة عجيبة قد تفيد في صنع المعجزات، لقد تابع بشغف ما حققه نادي ليستر الموسم الماضي في إنكلترا، واستوحى بأمانة ودقة أفكار مدرب ليستر رانييري وفلسفته التدريبية، إذ المطلوب من الفريق هو التمتع بممارسة كرة القدم وعدم البحث عن أيّ شيء آخر، بل لا مجال -حسب طريقة عمل هذا المدرب- لتحديد الغايات سريعا قبل الدخول في أتون المنافسات القوية.

بدأت المنافسات وبدأ الجميع في الفريق يستمتع ويمتع، فالفريق الفتيّ حديث العهد بدوري الأضواء وقليل التجربة والخبرة استهلّ الموسم بتعادل إيجابي خارج الديار قبل أن يحقّق فوزا تاريخيا على دورتموند، حقق بعدها فوزا غاليا خارج الديار قبل أن يتعادل في مناسبتين متتالين، لكنه لم يرتبك، بل عاد أقوى من ذي قبل، بعد أن دخل جيدا صلب المنافسات وخبر بعض التفاصيل عن البطولة القوية، ليحقق إنجازا خارقا وخرافيا عندما فاز في ست مباريات متتالية مكنته من خطف الأنظار واختطاف الصدارة بعلامة ممتاز للغاية أبهرت الجميع، وجعلت كل وسائل الإعلام المحلية تتحدث عن معجزة جديدة قد تتحقق في بطولة يتسيّدها منذ سنوات الفريق البافاري بايرن ميونيخ مع منافسة متذبذبة من بوروسيا دورتموند.

كلام كثير قيل بخصوص هذا الفريق خاصة بعد فوزه الجمعة خارج الديار على باير ليفركوزن، فهناك من أشاد بهذه الانطلاقة الصاروخية لفريق بدأ للتوّ يتحسس خطواته الأولى في دوري الأضواء، وهناك من اعتبر أن هذه النتائج الرائعة إلى حدّ الآن لن تتواصل مادام العملاق البافاري موجود في دوري يتطلب الكثير من العتاد والزاد والرصيد البشري.

وبين هذا الرأي والرأي الآخر مازالت الحقيقة الواحدة والمهيمنة إلى اليوم هي أن لايبزيغ، هذا الفريق الصغير والفتيّ يتربع على عرش “البندسليغا” والحلم سيستمر أسبوعا آخر على أقل تقدير، ستكون هناك حياة مادام الأمل موجودا وستكون هناك أيضا أمان كبيرة ليس من قبل أنصار هذا النادي المندهشين بما حققه فريقهم من نتائج لافتة ورائعة فحسب، بل من أغلب متابعي الكرة الأوروبية في العالم.

في الموسم الماضي ازدادت شعبية نادي ليستر بشكل كبير للغاية، وباتت قمصان جيمي فاردي ورياض محرز وبقية لاعبي الفريق تباع في شتى أصقاع الدنيا بعد أن حقق الفريق الإنكليزي نصرا عظيما، أما اليوم، والموسم الطويل مازال في منعطفه الأول فإن نادي لايبزيغ بدأ فعلا في استمالة أنصار الكرة الجميلة والحالمين بعودة زمن المعجزات الكروية، ولسان حالهم يقول دعونا نحلم، فالمعجزة قد تتحقق مرتين.

كاتب صحافي تونسي

23