المعجزة لها تبعاتها

نادي ليستر سيتي يثبت أن زمن المعجزات لم ينته وأن الإرادة والإيمان هما “السلاحان” لهزم كل الخصوم وتجاوزهم.
الأحد 2019/12/15
المقاوم الوحيد

منذ ثلاثة مواسم أثبت نادي ليستر سيتي أن زمن المعجزات لم ينته، لقد برهن هذا الفريق في موسم 2015ـ2016 على أن المستحيل يمكن أن يتحول إلى واقع ملموس.

في ذلك الموسم سبق ليستر “المغمور” والمتواضع والبعيد عن دائرة الأندية العريقة في إنكلترا الجميع وتوّج ملكا على عرش الدوري الممتاز. نعم لقد كتب التاريخ وأكد أن الإرادة والإيمان هما “السلاحان” لهزم كل الخصوم وتجاوزهم.

في ذلك الموسم سطع نجم ليستر بفضل ثلة من اللاعبين المتحمسين والمتحفزين للغاية، والموهوبين أيضا، لقد نجح فريق “الثعالب” بفضل تألق لافت للثالوث الجزائري رياض محرز والفرنسي نغولو كانتي وكذلك الإنكليزي جيمي فاردي.

هؤلاء اللاعبين شكلوا قوام الفريق، مثلوا القوة الضاربة لليستر الذي تجاوز كل منافسيه وتوّج بلقب الدوري الممتاز لأول مرة في تاريخه.

ذلك الإنجاز الخرافي أدى إلى صعود أسهم هؤلاء اللاعبين وجعل كل الأندية “العريقة” تحلم بالتعاقد مع أحدهم.

لم تنجح إدارة ليستر في المحافظة على نجمها الفرنسي الذي رحل بمبلغ قياسي إلى نادي تشيلسي، قبل أن تأتي إغراءات مانشستر سيتي أُكلها، لينجح هذا الفريق في “اختطاف” إحدى جواهر ليستر، فغادر محرز بدوره.

وحده قرر فاردي البقاء مع ناديه، وحده قرر أن يحلم مجددا بكتابة ملحمة جديدة مع “الثعالب”، رفض كل الإغراءات، ووحده من آمن بأن فريقه قادر على تثبيت مكانه ضمن قائمة الفرق “الكبرى” في الدوري الإنكليزي.

كان يتمتع بكل لحظة يخوض فيها مبارياته مع ليستر، كان في قمة الرضا والطمأنينة، كان يدرك أن العوامل التي ساعدته سابقا على قيادة “الثعالب” صوب القمة قد تتوفر من جديد.

هو هكذا هذا اللاعب الشغوف والمتطلع دوما نحو المستحيل ونحو الأفق البعيد..

هي هكذا خصال من ترعرع صبيّا عمل في مناجم الفحم، وعرف غياهب السجن في صغره، لكنه تخطى قساوة صباه ليصبح “بطلا” قوميا وقدوة. والقدوة لا يعترف بالمستحيل ولا يعرف العجز، القدوة دائما ما ينجح في تطويع كل الظروف الصعبة ويتمتع بتطويع المستحيل، بل يتلذّذ بمقارعة من هم أقوى منه، فيسعد عندما يطيح بهم، ويا لها من سعادة عندما تتخطى كل الحواجز فتبلغ بذلك عنان السماء.

انتظر فاردي الفرصة كي يعاود صناعة الحلم المستحيل، انتظاره لم يدم أبد الدهر، فقد توفرت هذا الموسم الفرصة، كل الظروف الحالية في ليستر باتت مهيأة للمحاولة من جديد.

مع مدرب كفء وعليم، ووسط مجموعة جيدة من اللاعبين المتعطشين للتألق، ومع وجود إدارة قوية، بدأ فاردي خطواته الأولى هذا الموسم لإعادة إنجاز الأمس.

واليوم ربما يمكن الحديث عن إمكانية إعادة كتابة التاريخ من جديد، اليوم تمكن المراهنة على أحقية “ثعالب” ليستر بالمراهنة على اللقب، اليوم يمكن النظر من جديد بأعين منبهرة لما يصنعه فاردي “عامل المناجم” من روائع.

فاردي الذي لم يهزم “عفن” المناجم ورطوبة السجن في السابق، هزم بقية المهاجمين في الدوري الإنكليزي، لقد تربع مبكرا على عرش الهدافين، سجل 16 هدفا بعد مرور 16 جولة.

أقرب ملاحقيه يبتعد عنه بفارق خمسة أهداف، أما الفارق الذي يفصل ليستر عن ليفربول المتصدر فلا يبدو كبيرا.

في حين غدا الحلم كبيرا ومشروعا، بدا الفريق وكأنه استعاد عنفوان موسم 2015ـ2016 وبات أكثر الفرق جدارة إلى حد الآن بمنافسة ليفربول على اللقب.

مع فاردي نجح ليستر وتألق إلى حد اللحظة في منافسات الدوري الممتاز، مع فاردي تجاوز ليستر في الترتيب نادي مانشستر سيتي رغم “الترسانة” الهجومية التي يضمها هذا الفريق.

أما فاردي فوحده قاوم وتحدى الجميع فحق له أن يقود ليستر إلى أعلى المراتب ومطاردة الحلم الجميل.

بالأمس القريب توقع البعض نهاية سريعة لفاردي، هذا التوقع ارتكز أساسا على تقدمه في السن بما أنه بلغ عامه الثاني والثلاثين، وهو ما دفع مدرب المنتخب الإنكليزي إلى التخلي عنه بعد المونديال الأخير.

لكن “ثعلب” ليستر دحض كل التوقعات، بل عاد أقوى مما كان، لقد تحمل ببراعة المسؤولية صلب فريقه، حتى كأنه بات الملهم الساحر القادر على معاندة الواقع وإعادة رسم فصول الماضي وجعلها أكثر ألقا في الحاضر.

اليوم لم تبلغ منافسات الدوري الممتاز سوى منتصف الرحلة، والأمر الثابت أن المراحل القادمة من الدوري ستكون أصعب بكثير في ظل فرضية عودة مانشستر سيتي بقوة وتواصل توهج ليفربول.

لكن من يملك فاردي قد يملك الميدان، ويكتسب كل الآليات التي تخوّله الصمود والصعود باستمرار، مع فاردي قد يعيش ليستر موسما آخر من التألق وقد ينجح في تكرار المعجزة السابقة، فلكل معجزة تبعاتها وارتداداتها.

23