المعرض الدولي للكتاب والنشر.. المغرب تستحضر جذورها الأفريقية

الثلاثاء 2014/02/04
المغرب يجدد علاقات الصداقة التي تربطه بأفريقيا

الدار البيضاء - على مدى أحد عشر يوما، سوف تتحول الدار البيضاء، وهي العاصمة الاقتصادية للمغرب، إلى عاصمته الثقافية، وهي تستضيف، في الفترة من 13 إلى 23 فبراير الجاري، فعاليات الدورة العشرين للمعرض الدولي للنشر والكتاب. هذا المعرض الدولي يرفع، هذه المرة، شعار “لنعش المغرب الثقافي”.

ينتظر أن يحل بالمغرب يوم 13 فبراير الجاري 13 وزيرا للثقافة، يمثلون الدول الخمس عشرة لغرب أفريقيا، بمناسبة افتتاح الدورة الـ20 للمعرض الدولي للنشر والكتاب، الذي تتواصل فعالياته إلى غاية 23 من الشهر الجاري. ويحضر معرض البيضاء نحو 45 كاتبا ومبدعا ومفكرا، ينتمون إلى هذه الدول، إلى جانب 45 ناشرا من الدول نفسها.


العمق الأفريقي

من خلال برنامج الدورة الـ20 لمعرض الدار البيضاء، تراهن “شجرة الثقافة المغربية”، على غنى فروعها، وقوة حضورها، من خلال البحث عن جذورها، هذه المرة، من خلال استحضار عمقها الأفريقي. هذا ما يؤكده مدير مديرية الكتاب في وزارة الثقافة المغربية، ومندوب المعرض، الشاعر حسن الوزاني، في لقاء مع “العرب”، معتبرا أن “اختيارنا في الوزارة مرتبط برهان تجديد علاقات الصداقة والمصير المشترك الذي يربط المغرب بعمقه الأفريقي”. على أن الاحتفاء بهذا العمق الأفريقي، يقابله انفتاح الدورة على العالم العربي، دائما، وعلى قارات ثقافية أخرى، خاصة أميركا اللاتينية وأوروبا، يضيف الوزاني، وهو يرى أن “انفتاح الدورة الحالية للمعرض على أصوات من الشيلي والأرجنتين وكولومبيا والباراغواي، مثلا، أي الانفتاح على أميركا اللاتينية، ليس إلا استمرارا لما قمنا به السنة الماضية”. سوى أنه، ومقارنة بالدورة السابقة، تسجل الدورة الحالية تقدما نسبيا، يضيف الوزاني، وذلك من خلال حضور 800 ناشر، يمثلون 45 دولة، ومن خلال عقد 18 لقاء ثقافيا، حول مختلف المواضيع، مع جدولة زمنية وهندسة جديدة للمعرض، تسمح لجمهور الدورة بمتابعة مختلف فعالياتها.

استحضار العمق الأفريقي للثقافة المغربية في هذه التظاهرة الثقافية يأتي ترجمة وتفعيلا للدستور المغربي الجديد (دستور الفاتح من يوليو 2011)، الذي اختار، ولأول مرة، تعريف المغرب من خلال هويته الثقافية المتعددة، وهو يعلن في ديباجته أن المملكة المغربية إنما هي “دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية-الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الأفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية”.

عن هذا العمق الأفريقي، يقول الباحث المغربي بوعزة بنعاشر، الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالرباط، وبمعهد الدراسات الأفريقية في الرباط، في حديث لـ”العرب” إن “الهدف من استضافة الدول الخمس عشرة لغرب أفريقيا، ليس رغبة في الانفتاح على هذا المجال الجغرافي والإنساني واللغوي والجيوسياسي، فقط، بل هو دليل وجود علاقة تاريخية متينة تربطنا بالقارة الأفريقية عامة، وبدول أفريقيا الغربية (جنوب الصحراء) تحديدا”. ويرى خبير العلاقات المغربية الأفريقية الأستاذ بنعاشر أن “ما يحدد جوهر هذه العلاقات الثقافية والتاريخية إنما هو الصحراء، على أن تعريف هذه “الصحراء” يعني التعريف بالطرق والمسارات والممرات التي ظلت تربط ما بين شمال وجنوب الصحراء، وهي آبار المياه التي حددتها القوافل التجارية، عبر التاريخ، وتشكلت معها علاقات وتفاعلات ثقافية متواصلة”.

إنها علاقة قديمة “متأصلة في الزمان والمكان، وفي اللغة والثقافة”، يقول بنعاشر، وذلك منذ القرن الثاني الميلادي، يوم كان الجمل الوسيلة الوحيدة للتنقل، ولربط الضفتين الشمالية بالجنوبية للصحراء، عبر قوافل، تشكلت حمولتها من “البضائع التجارية، وبدائع وروائع الفكر والثقافة أيضا”، يضيف المتحدث، ثم ظهرت عوامل أخرى، في ما بعد، مرتبطة بالدين الإسلامي، منذ القرن التاسع الميلادي، مع ظهور الدولة المرابطية، وإلى عهد السعديين والعلويين، وصولا إلى القرن العشرين. على أساس أن ظهور الدولة في المغرب يظل سابقا على تشكل الدولة في هذا الغرب الأفريقي.

ويرجح بنعاشر أن يكون التأثير المغربي هو ما دفع هذه المجتمعات الصحراوية إلى إقامة دول في المنطقة، وهي الدول التي ترسخت في ما بعد ستينات القرن الماضي، بعد زوال الاستعمار.

الوزاني: نراهن هذه السنة على الثقافة اللاتينية

ومن هنا، ذلك الرهان المشترك لدول الغرب الأفريقي في أن تتخلص من القرن العشرين، بعد 14 سنة من انصرامه، باعتباره قرنا استعماريا. هذا، ويتوقف الباحث عند انشغال لقاءات معرض الدار البيضاء بالشعر والأدب الأفريقيين، وبالتعبيرات الموسيقية، وبالرقص والاحتفاء بالجسد الأفريقي، على أنها أصل من أصول الثقافة المغربية وجذورها وشجرة الأنساب الإبداعية المغربية، شعرا ونثرا، وتشكيلا وغناء، وجسدا وتعبيرا وأداء.

على أن الدورة الحالية لمعرض الدار البيضاء، إذ تستحضر العمق الأفريقي للثقافة المغربية، فهي لا تنسى العمق الأميركو-لاتيني، الذي هو امتداد لذلك العمق الأفريقي، عبر المحيط الأطلسي، مثلما لا تتخلف عن استحضار الأفق الإيبيري، من خلال استدعاء الثقافة الإسبانية والبرتغالية وأعلامهما، في انفتاح على الأفق الأوروبي، إلى جانب الامتداد العربي الأصيل والمعاصر، تأكيدا على كونية الثقافة المغربية والعربية، منذ اللقاء الفلسفي العربي الإغريقي، مع المشرقيين الرواد، من الفارابي إلى ابن سينا، والمغاربيين الأندلسيين من ابن حزم إلى ابن رشد، انتهاء بشيخ العرافين ومن يدين بدين المحبين الشاعر الصوفي محيي الدين بن عربي. هذه الكونية التي لا علاقة لها بمفهوم العولمة، يقول محدثنا، بل هي حقيقة كائنة على مرّ التاريخ، من خلال ثقافة مغربية ضاربة في التاريخ والجغرافيا. ثقافة ضاربة في الأزمنة، مثلما هي ضاربة في الأمكنة.

عناوين المعرض

نساء ورجالا، طلبة وأطفالا، يشدّ المغاربة الرحال نحو معرض الكتاب بمدينة الدار البيضاء بحثا عمّا جادت به دور النشر العالمية من عناوين جديدة، ومن إبداعات وأبحاث ودراسات إنسانية عديدة. وما بين ساعة وأخرى، على مدى أحد عشر يوما، يتابع ضيوف المعرض فعالياته الثقافية، لقاءات وندوات ومعارض وأمسيات، وعروضا وندوات وقراءات وأمسيات، مع تقديم وتوقيع آخر الإصدارات. أما أهم لحظات ومحطات معرض البيضاء لهذه السنة، فتتمثل في لقاءات حول ثقافة دول غرب أفريقيا، ومنها ندوة حول الكتابة النسائية في غرب أفريقيا، ولقاء حول المكونات الأفريقية في الثقافة المغربية، وندوة “الآداب الوطنية: لغات وحدود”، وندوة “من الأدب الشفاهي إلى الأدب الحديث في غرب أفريقيا”، وندوة “آداب وثقافات ما جنوب الصحراء في الجامعة المغربية”، إلى جانب الاحتفاء بالأدب الزنجي، وبالشاعر السينغالي ورئيس السينغال وصديق المغرب الراحل ليوبولد سيدار سنغور…

إلى جانب ذلك، هنالك ندوة عن “الكتابة ووسائط التواصل الجديدة”، وأخرى عن “المكسيك وشعر الصحراء”، وثالثة عن “التنوع اللغوي في المغرب”، وفقرة “ساعة مع كاتب”، مع كل من الطاهر بنجلون، من المغرب، والروائي الكويتي سعود السنعوسي، و”فقرة ذاكرة”، للاحتفاء بعدد من الراحلين، في مقدمتهم محمد شكري.

14