المعرفة والبلاغة: هل تُسقط دولة السكاكي صاحب مفتاح العلوم

الأحد 2014/07/13
أين يكمن التقاء بدايات السكّاكي في التفكير مع بحر الجرجاني؟

نلحظ في كثيرٍ من الأبحاث اللغوية اتكاءَها على مجموعة من الأسئلة لعل أهمّها ما انصبّ منها على مواطن الاختلاف بين الجرجاني (ت461 هـ) والسكّاكي (ت 621 هـ) في رؤيتهما لعلم البلاغة، ومنها: هل السكّاكي نبي البلاغة الذي أرسل لإبلاغ رسالة البلاغة؟ هل السكّاكي طالبٌ للرئاسة في عقليته، ومن ثَمَّ سعى إلى تأسيس دولة أسماها “علم البلاغة” ونُصِّب عليها كأول رئيس دولة؟

لن نخلعَ السكّاكي من ظروف صناعة كتابه “مفتاح العلوم”؛ إذ هو لم يدرس البلاغة فقط، وإنما درس علم النحو، والصرف، وعلم المنطق، والعروض والقوافي. فظروف تلك الصناعة، تجعلنا نربط فكر السكّاكي بالفكر الشمولي الذي يرى أن البيان واحدٌ من العلوم المعقود معها بذات العقد، وليس خارجا عنها ؛ ولهذا لم يُسْبَقْ السكّاكي في ربط تلك العلوم بروحٍ واحدة، فَمَنْ قبله يقرؤون البيان على أنه علم جمالي يبعد مجاله عن العلوم التي تبحث عن صحة شيءٍ ما، بينما البيان – عندهم – يبحث عما وراء هذه الصحة، أي عن المتعة الفنية.


دولة البلاغة


عندما نقول بدايات تأسيس الدولة؛ فإن ذلك يشي بسردٍ لبدايات السكّاكي، ولكنه هنا هو عنوان مخاتل؛ إذ نريد منه أن يعطي بدايات التفكير البلاغي عند السكّاكي، هل هو هَمٌ “بياني” أم هو غير ذلك؟ فبين مفتاح العلوم، ودلائل الإعجاز، أي بين تأليف عبدالقاهر الجرجاني الذي يعدّه النقاد أول ناقد وضع البيان على أُسس علمية نظرية، ولم يطمس بذلك روحه الأدبية الفنية، وبين السكّاكي الذي أخذت معه البلاغة شكلها الصارم بقواعدها المعروفة الآن ما يقارب قرنا ونصف القرن.

فما الذي جرى في هذه الفجوة الزمنية؟ وأين يكمن التقاء بدايات السكّاكي في التفكير مع بحر الجرجاني؟

بعض النقاد يرى أن السكّاكي التقطَ في بناء تفكيره البلاغي ملامح من نظرية الجرجاني التي تُخالف بين مرجعيْ الحُسن في المسائل البلاغية، حيث يرى الجرجاني الحُسن في المجاز والاستعارة والكناية والتمثيل راجعا إلى اللفظ باعتبار معناه، وجعل الحُسن في باقي المسائل البلاغية الأخرى راجعا إلى النظم، فأطلق السكّاكي على جملة المسائل الأولى اسم البيان، وعلى باقي المسائل البلاغية الأخرى اسم المعاني.

ولكن هل يجوز لنا القول إن العقلية المنطقية عند السكّاكي أثّرت على فهمه للتقسيم الجرجاني الذي يقيم هُوية قومية أو أممية، ولم يُقِم دولة؟ أم هل هو قد أذكى من أن يخطئ فهم عبدالقاهر، ولكن أذكى الخطأ، أي جعله ذكيا ؛ ليؤسس عليه دولة؟

عندما تكون البدايات تبحث في إرهاصات تأسيس دولة البلاغة، فإن التأسيس هو إعلان دولة البلاغة، وأن الحكم فيها لقائد ثورتها: السكّاكي

يكاد يتفق النقاد على أن السكّاكي اتجه نحو الضبط والتقنين واتخاذ القاعدة معيارا نقديا عبر سبيل السعي إلى التمييز بين الفصاحة والبلاغة والمعاني والبيان والبديع تمييزا جامعا مانعا. فهو يشبه إذن تلك القواعد الفقهية أو القانونية التي نحتاج على إثرها للحكم القاطع، والفيصل بين الخصوم. نعم، إن السكّاكي هو من بوّب وقسم، وجمع، ومنع، وحدَّ؛ وهذا ما يؤكّد قولنا إنه دخل على البلاغة بعقلية المنطقي الرياضي، وأنظمة البحث عن الصحة والخطأ، دخل بهذه الآلية للوصول إلى مملكة سيسمّيها علم البلاغة ؛ وسعى جاهدا إلى أعلى مراتب البلاغة من وجهة نظر العرب وهو القرآن؛ ليطبق قوانينه عليه، وكأن لسان حاله يقول: ها هو القرآن يثبت قوانين دولتنا، فلتأخذ الشرعية المؤبدة. فيأتي السؤال المنطلق من هذه الاتفاقية: هل هي مثلبة أم منقبة؟ أم هما يشتركان معا إذا ما نظرنا إلى دولة السكّاكي من خلال التلقي الذي يكون فيه القارئ منتجًا للنص، وعنصرًا فعّالًا يشارك في العملية الإنتاجية، حينها سيظهر الرأي حول السكّاكي كجدلية متداخلة تنتج من خلال متلقيها.

وعندما نقول “تأسيس” فإنه كمثيله السابق، نُعدّه مخاتلا؛ لأنه يحمل أسئلة منها: السكّاكي مؤسس ماذا؟ فكتابه المفتاح حملَ كمّا من العلوم، فلماذا البلاغة فقط؟ إن إخضاع البيان لمنطقية القانون هو ما يجعل الناظر يفترض افتراضا مسوّغا، فيأتي السؤال: هل لفظة مؤسس هنا مِدحة أم مذمّة ؟ وذلك من جهة أنه ليس كل مؤسس ممدوح.


جهات التأويل


عندما تكون البدايات تبحث في إرهاصات تأسيس دولة البلاغة، فإن التأسيس هو إعلان دولة البلاغة، وأن الحكم فيها لقائد ثورتها: السكّاكي.

فالبلاغة حينها تناسب القوانين التي لا بد أن توضع لتسير الدولة نحو بَرِ الأمان، وليس الاكتفاء بمكامن الجمال في نصوص؛ لهذا قال شوقي ضيف: “ما للسكّاكي والجمال، إنه بصدد وضع قوانين وقواعد كقوانين النحو وقواعده”، فهل البلاغة قبل السكّاكي لم تقم لها قائمة الدولة المؤسسة على كيانٍ ذي اختصاص سيادي في نطاق محدد وقد أقامها السكّاكي ونصّب نفسه أول رئيس عليها؟

السكّاكي اتجه نحو الضبط والتقنين واتخاذ القاعدة معيارا نقديا عبر سبيل السعي إلى التمييز بين الفصاحة والبلاغة والمعاني والبيان والبديع تمييزا جامعا مانعا

يعود السكّاكي إلى أعلى مراتب البلاغة من وجهة نظر العرب وهو القرآن؛ ليطبق قوانينه عليه. فارتكز على آية “وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” (سورة هود- الآية 44). السكّاكي يقول هنا: “والنظر في هذه الآية من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني وهما مرجعا البلاغة ومن جهة الفصاحة ومن جهة الفصاحة اللفظية”.

هذا التقسيم في الجهات، يرجعنا إلى العلوم الأخرى التي تتعامل بهذه الصرامة في تحديد أجزائها كما تتحدد الجهات وتنفصل بمستوى النظر؛ فهو قد ذهب يستخرج المجاز والتشبيه والاستعارة بأسلوب علمي يستند فيه إلى اللغة وعلم الكلام في التحليل والتعليل، وكل ذلك ليقرر قواعده التي أثبتها، لا نعني بالدقة أنه يلوي عنق النص، لا، إنما يقرأ النص من الخلفية التي جاء إلى النص منها، وهنا يكمن الفرق. وهذه الخلفية هي مرتكزنا هنا في تحديد جهوده التأسيسية، وهو ما يدعو القارئ إلى أن يحذو حذوه في استخراج البيان والمعاني، والفصاحة؛ وهذا يدعونا إلى القول: إن ثمة إرادة للتأسيس المنبني على قواعد لا حظَّ للقارئ في صنعها، كما هي قوانين الدول سواء التي تعتمد نصا سماويا أو التي تعتمد نصا وضعيا.

لكن قد يقال: لماذا لم ينظر السكّاكي – كمؤسس - للبلاغة كُلًا واحدا، لماذا لم ينظر إلى الآية نظرة شمولية، متعاونة الأجزاء، متفاعلة في مكوناتها في ضوء موقعها من السورة؟ طالما أنه صاحب نظرة تأسيسية تعتمد على الشمولية في العلوم، وما نراه هنا إنما هو في نفس “الريتم” الذي سار عليه من تكلّم قبله في هذه الجزئية.


سجن السكاكي


لو نتأمل كون السكّاكي مؤسسا لدولة البلاغة وليس لأمة البلاغة، سنعرف ذلك التجزؤ عنده، ومما يدل على ذلك لننظر إلى عبدالقاهر الجرجاني وهو يتعاطى مع الآية نفسها بالقول: “وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. فتجلَّى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة إلَّا لأمر يرجع إلى ارتباط هذا الكلام بعضه ببعض، وإنه لم يعرض لها الشرف إلّا من حيث لاقت الأولى الثانية، والثالثة الرابعة، وهكذا إلى أن تستقر بها إلى آخرها، وأن الفضل نتج مما بينها، وحصل من مجموعها، إن شككت فتأمل: هل ترى لفظة بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت من الفصاحة ما تؤديه، وهي في مكانها من الآية، (ابْلَعِي) واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليه.. ومعلوم أن مبدأ العظمة في الآية في أن نُوديت الأرض، ثم أُمرت، ثم كان النداء بيا دون أي.. ثم إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال ابلعي الماء”.

كلام الجرجاني لم يكن إلا حديثا عن منطقية التلقي، وليس الفصل الواضح بين النقد والبلاغة كما ترامت في الدولة البلاغية السكاكية

هنا تتجلى التأسيسية لدى السكّاكي بأنها تفريقية كالتفريق بين مواد القانون في الدولة، حيث لكل مادةٍ نتائجها التي يتولاها القاضي، وليست هي كل واحد؛ وهذا ما يحيل إلى كون تعاطيه مع الآية كان متسقا مع عقليته التقسيمية.

ولكن ماذا بعد التأسيس؟ هل نقول لقد استقرّت دولة البلاغة؟ المراد هنا هو “الما بعد”، وهل هو يثير الجدلية من داخله؛ فتتصارع القضايا التي تطلب نقضها من داخلها لتقيس مدى فاعليتها، ويأتي المفهوم الأعمق للاستقرار؛ هل السكّاكي يَعْمَد إلى وأد هذه الجدلية الداخلية بين القضايا سواء هو أم خلفاؤه ( تلامذته)؟ ومن ثمَّ يأخذ الاستقرار مفهوم الإكراه، أي طلب الاستقرار بقوة الدولة البلاغية التي أسسها؟ أم إن جريان الاستقرار هو بمحض السيرورة التاريخية، ومن ثم فالاستقرار يأخذ مفهوم حرية تطور الفكرة من داخلها؛ لتأخذ أشكالها التالية أيّا كانت الأسباب ولو كان على حساب ذلك البنيان المشيد؟

وسنأخذ فكرة النقد والبلاغة مثالا، فإذا كان عبدالقاهر الجرجاني يقول: “إنه لا بد لكل كلام تستحسنه، ولفظ تستجيده، من أن يكون لاستحسانك ذلك جهة معلومة، وعلة معقولة”، فأين يكمن الاختلاف بين تقعيد السكّاكي وهذه النظرة؟

كلام الجرجاني لم يكن إلا حديثا عن منطقية التلقي، وليس الفصل الواضح بين النقد والبلاغة كما ترامت في الدولة البلاغية السكّاكية؛ وهو ما جعل القاعدة تسيطر على الذائقة.

ومن هنا جاءت هذه التساؤلات حول جهود السكّاكي في البلاغة، الذي عددناه – بوصف جادا وساخرا في آن واحد – أول رئيس ٍ لمملكة البلاغة، وهذا الوصف ليس مدحا ولا ذما ولكن الذي يحدد هو ما نتوصل إليه في أبحاثنا حول مدى أسبقية فكرة التأسيس على المملكة التعليمية، أو العكس، فهل التعليمية ناتج، أم سبب؟

ويأتي السؤال الأكبر: هل في “الجَمال” أمميون أو قوميون يسقطون دولة السكّاكي بثوراتٍ تعيد الحرية للمتلقي الذي حبسه مؤسِّسها في سجونه وما يزال؟

11