المعركة السورية الكبرى على أبواب جنيف 2

الجمعة 2014/01/17
لعبة الموت واقع في سوريا.. أطفال يحملون السلاح ويلعبون كالكبار

أيام قليلة ويبدأ مؤتمر جنيف للسلام في سوريا، ورغم أن المؤشرات الأولية تؤكد مشاركة المعارضة، إلا أنها مازالت منقسمة حول جدواه ومرتابة من نتائجه.

مع اقتراب الموعد المقرر لمؤتمر جنيف2 المعني بالأزمة السورية، حفلت الأيام الأخيرة الماضية بتحركات سياسية حثيثة قامت بها المعارضة السورية وأنصارها من الدول الغربية والعربية، وشهدت شدا ورخيا في ما يتعلق بموقف المعارضة السورية من حضور المؤتمر، وحفلت وسائل الإعلام بسيل من التحليلات حول جدوى الحضور ومدى قدرة المؤتمر على تحقيق مطالب السوريين الثائرين ضد النظام.

خلاصة كل التحركات والتصريحات والمواقف التي صدرت خلال الأيام الأخيرة التي تسبق المؤتمر توحي بأنه لم يحدث أي تقدّم في طريق حل أية مشكلة من مشاكل مؤتمر جنيف2، ولم يتوصل المجتمع الدولي إلى تفسير واضح لبنود إعلان جنيف1 الذي سيستند إليه جنيف2، كما لم يتم إقناع المعارضات السورية كلها أو معظمها حتى بضرورة المشاركة، فالمعركة السياسية إذن لم تبدأ بعد في ما يخص حل الأزمة السورية.

من حيث المبدأ، من الواضح أن المعارضة السورية ممثلة بالائتلاف ستشارك في المؤتمر، وهو أمر لا يتفق عليه حتى أعضاء الائتلاف نفسه، لكن انسداد آفاق الحل على المدى المنظور وضغوط المجتمع الدولي تحكم عليهم ذلك، ولحظة دخولهم المؤتمر ستبدأ المعركة الكبرى التي ربما ستفوق في ضراوتها المعركة العسكرية.


مقدمة لتفكيك النظام أو تعويمه


عضو الهيئة السياسية للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية والمتحدث باسمه، الدكتور لؤي صافي، أعرب عن قناعته بأن المؤتمر أصبح مكرسا رسميا لتشكيل هيئة حكم انتقالي تعمل على تفكيك النظام السوري، وقال لـ “العرب” “أرجح أن يقوم فريق النظام بالانسحاب من جنيف في حال مشاركة وفد من الائتلاف في المفاوضات لأن الاجتماع أصبح مكرسا رسميا لتشكيل هيئة حكم انتقالي تعمل على تفكيك نظام الاستبداد وبدء مرحلة جديدة بعيداً عن تسلط الأسرة والطائفة والحزب الواحد. إن تصريحات المتحدثين باسم النظام تؤكد مخاوف النظام من الدخول في عملية انتقالية، لذلك فهم ينفون وجود عملية انتقالية، بل يشددون على إعادة انتخاب بشار الأسد”.

150 ألف قتيل على الأقل عدد السوريين الذين قدموا أرواحهم للخلاص من النظام

ونفى أن يكون المؤتمر مخصصا لتعويم الأسد ونظامه وقال “أية محاولة لتجنيب الأسد النهاية المحتومة بانهيار النظام ستبوء بالفشل سواء استمر النظام بالتفاوض على نقل السلطة عبر جنيف أو اختار الاستمرار في خياره المفضل؛ الخيار العسكري، فسوريا لن تعود إلى الاستبداد”.

المعارض السوري المستقل، والسفير السابق في الائتلاف، وليد البني يرى في المؤتمر عكس ما يراه الصافي، فهو بالنسبة إليه “مقدمة لتعويم الأسد”، وأوضح لـ “العرب” “أن مجرد الجلوس مع النظام ضمن الشروط التي سمعناها من الوزيرين الأميركي والروسي في فرنسا مؤخرا يعني عودته إلى الأسرة الدولية كشريك مقرر في تحديد مستقبل سوريا، والحل السياسي وفق شروط تؤدي إلى الانتقال الديمقراطي الحقيقي غير متوفر حاليا في جنيف2، والذهاب إلى جنيف دون ضمانات أساسها قرار دولي مُلزم يضمن انتقالا حقيقيا من نظام القتل والفساد إلى نظام ديمقراطي سيكون تعويما للنظام وإطالة لأمد المأساة”.


أية معارضة

أميركا وروسيا تقاسمتا الأدوار


شاطره الرأي هيثم مناع، نائب رئيس هيئة تنسيق قوى التغيير الديمقراطي التي أعلنت مقاطعتها للمؤتمر، وقال لـ “العرب” “لقد توافق الروس والأميركيون على تقاسم الأدوار، يتعهد الطرف الروسي بإقناع السلطة السورية بالمشاركة في مؤتمر جنيف2 ويتعهد الطرف الأميركي بإقناع المعارضة السورية بالحضور وتشكيل وفدها، وفرض علينا حتى الآن على الأقل أن نشارك في المؤتمر تحت مظلة الائتلاف، لكننا مع وفد موحد وبرنامج وصوت موحد للمعارضة السورية، ونقاط الخلاف مع الائتلاف ليست شكلية، فهو برأينا هيكل تحت سيطرة صانعيه وقرارهم يُفبرك في محافل الآخرين وهيكله متنافر تضطره الضغوط الخارجية إلى البقاء واحداً، وهو على قيد الحياة بسبب دعم صانعيه وينتهي بنهاية دعمهم له، وبالتالي فإن قراراته ليست بيده ويمكن أن يتم الضغط عليه بجنيف لتمرير النتائج التي يريدها المجتمع الدولي بعيداً عن تطلعات السوريين”.

لكن صافي يرد التهمة ويقول “سيتحول مؤتمر جنيف إلى محرقة للمفاوضين عندما يتمكن النظام من تفتيت الجهود وإحداث فرقة داخل الفريق المفاوض، وهذا ما يجب تجنبه بكل وسيلة، ومحاولات روسيا للدفع نحو تشكيل فريق (متنوع) من أطراف غير متجانسة داخل المعارضة يأتي من هذا الباب، ويمثل سعيا ماكرا لتقسيم المعارضة داخل المفاوضات، فالتنوع يجب أن يتحقق لكن بشرط أن لا يؤثر أبداً على تجانس الفريق المفاوض”.

وأضاف “إن التحدي الذي يواجه المعارضة في المفاوضات هو تشكيل فريق تفاوضي ذي كفاءة، والحفاظ على الانضباط والتضامن الداخلي، وأسوأ ما يمكن أن يحدث هو التنازع بين المفاوضين، إذا دخل الائتلاف بفريق منسجم ومنضبط فستتقدم الثورة خطوات باتجاه الهدف”.

30 دولة تقريبا من المنتظر مشاركتها في مؤتمر (جنيف 2) حول سوريا الذي سيعقد في 22 يناير المقبل في سويسرا

وليست هيئة التنسيق وحدها التي قررت مقاطعة جنيف بشكل أولي، فهناك المجلس الوطني المعارض والإخوان المسلمون والجبهة الإسلامية وجبهة ثوار سوريا وممثلو هيئة أركان الجيش الحر، إضافة إلى ممثلي الهيئة العامة للثورة ولجان التنسيق المحلية.


الانسحاب قبل المفاوضات أو بعدها


لا يرى الكثير من المراقبين والمعارضين المشاركة في جنيف2 سيئة إلى هذه الدرجة، ويعتقدون أن على وفد المعارضة السورية أن ينسحب من المؤتمر في أية مرحلة يرى فيها أن هناك محاولات لفرض النظام السوري كشريك مستمر، وعلى المعارضة أن لا تضيّع أية فرصة لتجربة أية فرضية حل سياسي.

وحول قدرة المعارضة على الانسحاب من مؤتمر جنيف قال منذر خدام، الناطق باسم هيئة التنسيق لـ “العرب” “نعم ينبغي أن تمتلك المعارضة القوة والإرادة لتقول لا للمؤتمر في هذه الحالة، بالنسبة إلينا يظل هدفنا الرئيسي من المؤتمر هو ضمان مستقبل ديمقراطي حقيقي لسوريا، فإذا وجدنا أن المؤتمر لن يركز على هذا الهدف الذي هو روح بيان جنيف1، عندئذ تكون كل الخيارات مطروحة ومنها مقاطعة المؤتمر. إن الموافقة على بقاء نظام الاستبداد والفساد تعدّ خيانة لتضحيات الشعب”.

أما علي العبد الله، الكاتب السياسي السوري والقيادي السابق في المعارضة، فينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة، وقال “أخشى أن المعارضة ـ والمقصودة هنا الائتلاف ـ لا تدرك آلية إدارة الصراع وموقع التفاوض فيها، وتنظر إلى الموضوع على طريقة (يا أبيض يا أسود)، لذا هي مرتبكة ولا تستطيع اتخاذ قرار حاسم وتطرح شروطا تتراجع عنها أو تتناساها لاحقاً.

التفاوض حلقة في الصراع تأتي بعد نضج شروطها أو بعد إدراك أطراف الصراع أنهم ذاهبون إلى خسارة جماعية فينحازوا إلى تسوية، أو عند بلوغ الأطراف حد الإنهاك، أو اللجوء إليه كبالون اختبار لاكتشاف موقف الطرف الآخر ونواياه وعزيمته. إذا اعتبرنا هذا التوصيف كافيا لتحديد طبيعة التفاوض فإن مسألة القدرة على الانسحاب أو عدمها تصبح ثانوية لأن حركة المفاوض مرهونة بهدفه من دخول التفاوض”.

وتابع “في حالة المعارضة السورية فإنها ذاهبة شبه مكرهة، لذا فهي مترددة وخائفة، خاصة وأن مناخات عدم إدراك طبيعة الصراع تدفع أطرافا في الائتلاف إلى تبني مواقف متطرفة لاعتقادها، أو لجهلها، أن الموقف الثوري يستدعيها. طبعاً يستطيع المفاوض أن يناور ويتملص ويطلب تأجيل جلسات للتشاور، ويأخذ وقتاً مستقطعاً يمكن أن يكون طويلاً، في إطار إدارة الصراع وتفعيل عوامل ضغط أخرى”.


قرارات جاهزة أو مفاوضات حامية


يقول الكاتب العبد الله “في واقع الحال نحن أمام حالة مبهمة، فالأميركان والروس التقوا منفردين مرات ومرات ولم يعلنوا من النتائج إلا خطوطا عريضة وعامة لا تفيد في إصدار حكم محدد وتركوا العالم يجتهد في تفسير وتأويل وتخمين ما يحصل في الغرف المغلقة.

تتحدد طبيعة المؤتمر بالارتباط مع موازين القوى

هل لأنهم اتفقوا على حل لا يستجيب لمصالح الأطراف المحلية والإقليمية والدولية الأخرى فأخفوه حتى لا يتحرك الآخرون ويجهضوه، أو لأنهم لم يتفقوا وأن عقد المؤتمر ليس أكثر من خطوة في عملية إدارة أزمة واختبار للقدرات؟. هناك حديث سرب عن اتفاق يقضي بإقامة هيئة حكم انتقالية وفق قسمة ترضي الأطراف المحلية وأنهم سيفرضونه عليهم، وتسريبة تفصيلية تقول بهيئة حاكمة برأسين عسكري للأمن والجيش من الطائفة العلوية ومدني لبقية الملفات من المعارضة” وفق قوله.

وعن ترجيح احتمال أن يكون المؤتمر توفيقيا، قال “تتحدد طبيعة المؤتمر بالارتباط مع موازين القوى إن كانت راجحة لجهة بشكل واضح وحاسم أو أنها قلقة ومتحركة أو أن ثمة تعادلية واستعصاء.

الواضح أن الوضع على الأرض غير حاسم لجهة محددة وأنه عرضة للتبدل والتحول بين موقعة وأخرى وأن فرص الحسم تحتاج إلى عوامل إضافية وفترة زمنية مديدة وهذه غير متوفرة بقرار دولي، ما يدفع إلى الميل إلى أن الطابع الغالب سيذهب باتجاه التوافق دون أن يعني سهولة بلوغ ذلك أو نجاحه”.

وأما خدام فيقول “من المعلوم أن مؤتمر جنيف1 لمجموعة العمل الخاصة بسوريا لم يشارك فيه السوريون سواء من النظام أو من المعارضة، ومع ذلك الجميع اليوم يعلن تمسكه بالبيان الذي صدر عنه، ويطالب بتطبيقه في جنيف2، وحسب ما صرح به الأخضر الإبراهيمي لن تجري مفاوضات على بيان جنيف1، بل على كيفية تطبيقه، وليس مستبعداً أبداً أن تكون هناك مسائل كثيرة قد تم التفاهم عليها أميركياً وروسيا، وعندما تطرح في المؤتمر يجب النظر إليها من زاوية مصالح الشعب السوري تحديداً”، وتابع “من البديهي أن لا يستطيع كل طرف تحقيق كل ما يطمح إليه، وخصوصاً أن المؤتمر يعقد في ظل ظروف صار الجانب الدولي من الأزمة السورية هو المهيمن، وتحول سوريا إلى ساحة تصفية حسابات دولية”.

الأزمة السورية أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، وخرج حلها من أيادي النظام السوري والمعارضة معا


البدائل بعد الفشل


عن البدائل في حال فشل مؤتمر جنيف قال العبد الله “مرحليا ليس ثمة بديل عملي، لكن التحرك وفق منطق شامل ومتماسك وخوض مفاوضات محكومة بمطالب الثورة وعدم التنازل عن الرئيس منها سيقود إلى أحد حلين: النجاح في تحقيق المطالب الرئيسة أو اقتناع العالم بعدم جدية النظام. وبالتالي تغيير موقفه من شروط الصراع والحل فيدخل كطرف مساند للمعارضة يقلب ميزان القوى لصالحها ويجعل الحسم الميداني ممكنا”.

أما المعارض البني فقال “المطلوب الآن وضع خطة متكاملة للحل السياسي الذي نتصوره لإنقاذ سوريا وبالتعاون مع جميع السوريين المؤمنين بسوريا الحرة، ودون الخطة المدروسة ولا الضمانات الدولية، يصبح الأمر أشبه بالاستهتار بكل تضحيات السوريين إلى حد الآن”.

وفي نفس السياق قال مناع “لقد آن الأوان لعقد مؤتمر وطني ديمقراطي لكل أحرار سوريا من أجل تكوين جسم سياسي جامع ومستقل قادر على خوض المعركة السياسية بقوة وكفاءة مع السلطة الدكتاتورية ولعبة الأمم”.

ويقول خدام “لا بديل عن الحل السياسي للأزمة في سوريا، والمسار الوحيد المتاح هو ما يدشنه مؤتمر جنيف2، لقد صارت سوريا عبئا على نفسها وعلى إقليمها وعلى الوضع الدولي عموماً، ونعتقد أن ثمة مصلحة لكل الأطراف لإيجاد حل لأزمتها، وعلى افتراض فشل المؤتمر سيكون هناك جنيف 3 و4 وهكذا حتى تتم تسوية الأزمة، لكن ستكون الفاتورة باهظة جداً من دماء السوريين”.

بالخلاصة، يتّضح عمليا أنه ليس واضحا بعد من هم أصحاب الموقف الصحيح في المعارضة السورية، من يعتقدون أن مؤتمر جنيف2 سيتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية تُنهي النظام تدريجيا أو من يعتقدون أنه لن يؤدي إلى أية نتيجة وسيكون كارثة، وبما أن النتائج تُبنى على المقدمات، فليس صعبا استنتاج أن الموازين الداخلية والدولية في اللحظة الحالية لا تسمح بأي حل سياسي معقول وعادل يحقق طموح السوريين الذين قدّموا 150 ألف قتيل على الأقل للخلاص من النظام.

لكن بالمقابل، من الواضح أن الأزمة السورية أصبحت أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، وخرج حلها من أيادي النظام السوري والمعارضة معا، وأصبح هذا الحل بأيادي الدول الأخرى، أميركا وروسيا بالدرجة الأولى، ثم الدول الأوروبية ثانياً وأخيراً الدول العربية كشريك ثانوي.

7