المعركة السياسية أصعب من العسكرية في تلعفر

تستعد قوات من الجيش العراقي والشرطة والحشد الشعبي لخوض معركة استعادة قضاء تلعفر الذي يقع غرب مدينة الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية. وتتهيأ القوات العسكرية للمعركة وهي متسلحة بالنصر الذي تحقق في الموصل وأدى إلى انهيار “دولة الخلافة” فيما يحذر المراقبون من أن الصعب في معركة تلعفر ليس الجانب العسكري بل الجانب السياسي والاجتماعي والحسم السريع سترافقه تعقيدات سياسية ودبلوماسية بسبب حساسية أرض المعارك.
السبت 2017/08/05
المعركة أكبر من دحر داعش

الموصل (العراق) – يترقب العراقيون انطلاق عملية عسكرية جديدة لاستعادة قضاء تلعفر، آخر معاقل تنظيم الدولية الإسلامية في محافظة نينوى، بعد أن نجحت خلال تسعة أشهر في تطهير غالبية مناطق المحافظة.

وتشير المعطيات على الأرض إلى أن القطعات العسكرية العراقية أقرب اليوم للتوجه صوب قضاء تلعفر، 60 كيلومترا غربي الموصل، مركز محافظة نينوى لاستعادتها من سيطرة تنظيم داعش.

وتحدث رئيس الوزراء العراقي القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي في خطب متعددة عن العملية العسكرية في تلعفر، مؤكدا أنها “باتت قريبة” فيما ذكرت مصادر عسكرية أنها ستنطلق قبيل شهر سبتمبر المقبل رغم استكمال كل التحضيرات من جميع النواحي العسكرية واللوجستية.

وعلى أي حال فالعملية العسكرية متوقعة والقوات العسكرية متأهبة ومستعدة بعدما اكتسبت خبرة قتالية عالية وأمامها مهام كبيرة، بالإضافة إلى تلعفر. فهناك مناطق أخرى لا تزال تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في الحويجة ومناطق أعالي الفرات في الرطبة والقائم وعانة وهيت وراوة، وأجزاء من قضاء الشرقاط.

ويقع قضاء تلعفر شمال غربي العراق ويتبع إداريا محافظة نينوى ويقدر عدد سكانه بنحو 205 آلاف نسمة، حسب تقديرات عام 2014 وتقطنه أغلبية من التركمان السنة والشيعة. وتمثل نسبة الشيعة فيه حوالي أكثر من 60 بالمئة.

وقال الرائد سالم غنام العبادي، مسؤول تجهيز وإعداد الوحدات العسكرية في الجيش العراقي، “بعد الانتهاء من عمليات تحرير الساحل الأيمن لمدينة الموصل تم إعداد القوات العسكرية وتجهيزها بمختلف المعدات القتالية المتطورة للمعركة القادمة التي لم تحدد وجهتها لغاية الآن، إلا أنها ستكون على الأرجح باتجاه تلعفر، آخر معاقل داعش في محافظة نينوى”.

وأضاف أن “القوات التي سوف تشارك في معركة تلعفر، هي النخبة من جهاز مكافحة الإرهاب والرد السريع والقوات المدرعة من الفرقة التاسعة وجهاز الشرطة الاتحادية، بمساندة مباشرة من قوات الحشد الشعبي والحشود القتالية العشائرية الأخرى”.

وذكر الضابط العراقي “أن القيادات العسكرية العليا المكلفة بعمليات استعادة قضاء تلعفر أنهت الخطط الخاصة بهذه العمليات، وإعداد التقارير عن استعداد القوات التي سوف تشارك بها وجهوزيتها القتالية، وإرسالها إلى القائد العام للقوات المسلحة العراقية ليقرر استنـادا إليها الهـدف القـادم للقوات”.

نجم الجبوري: لا أعتقد بأن معركة تلعفر ستستغرق طويلا بعد أن انهار التنظيم

وسيطر تنظيم الدولة الإسلامية في 15 يونيو 2014 على قضاء تلعفر بعد انسحاب القوات العراقية المتمركزة فيها نحو إقليم كردستان العراق ونزوح الآلاف من السكان إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات البيشمركة الكردية.

تقدم عسكري

ذكر المقدّم عامر ذياب الأسود، مسؤول الوحدة الاستخباراتية في الجيش العراقي، أن “معركة تحرير تلعفر من سيطرة داعش ستكون سهلة بسبب انهيار معنويات عناصر تنظيم داعش بشكل تام بعد خسارة مدينة الموصل التي تعدّ مركز ما يسمى بدولتهم في العراق والشام، ومحاصرتهم منذ فترة طويلة وهم يتلقون ضربات عسكرية يوميا بالليل وبالنهار، سواء من قبل القوات الجوية العراقية أو من قبل طيران التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وإن طردهم من قضاء تلعفر الآن لم يعد بالأمر الصعب، وهو مسألة وقت لا أكثر”.

وقال”وفق المعلومات الاستخباراتية المتوفرة لدينا يترواح عدد مقاتلي تنظيم داعش في قضاء تلعفر ما بين 2500 إلى 3000 مقاتل أغلبهم وبنسبة 90 بالمئة من المحليين، أي سكان القضاء، ويعتمدون في الغالب على العبوات الناسفة والبراميل المتفجرة وتفخيخ المنازل، كذلك يمتلكون شبكة من القناصة لإعاقة تقدم القوات نحو هدفها المنشود”.

وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أن التنظيم قد جهز 45 عجلة مفخخة لاستهداف القوات فور هجومها على القضاء، وان هذه المعلومات وصلت إلى الجهات المعنية البرية والجوية لمعالجتها، وفق المعلومات التي قدمها عامر ذياب الأسود لوكالة الأنباء الألمانية.

وأوضح الأسود “أن عوامل كثيرة تصب في صالح القوات العراقية في معركة تلعفر، منها تضاريس قضاء تلعفر التي تسمح بتقدم الدبابات والمدرعات في عمق المدينة، والعدد القليل للمدنيين الذين يسعى تنظيم داعش إلى اتخاذهم دروعا بشرية، لإطالة أمد المعركة واستنزاف القوات المهاجمة، فضلا عن الخبرة القتالية التي اكتسبتها القوات العراقية بعد سنوات من القتال على طريقة حرب الشوارع، والتي كانت آخرها وأصعبها مدينة الموصل واستطاعت تلك القوات رغم الصعاب والمعوقات إحراز النصر بها وتكبيد التنظيم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات”.

واستطاعت القطعات العسكرية العراقية المشتركة من قطع الطرق جميعها التي تربط بين الموصل وتلعفر وفرض طوق مشدد على التنظيم داخل قضاء تلعفر، إذ أن القوات الكردية باتت تسيطر على الحدود الإدارية الشمالية للقضاء، بينما تسيطر قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي على حدوده الإدارية الجنوبية.

وقال قائد عمليات نينوى اللواء نجم الجبوري في تصريح صحافي “نحن أكملنا استعداداتنا لاقتحام تلعفر، وبانتظار إعلان ساعة الصفر من قبل رئيس الوزراء العراقي”. وأضاف “لا أعتقد بأن معركة تلعفر ستستغرق طويلا بل ستحسم بوقت قياسي قصير، بعد أن انهار التنظيم”.

في انتظار الضوء الأخضر

معركة صعبة

بعيدا عن مسرح العمليات العسكرية وجهوزية القوات العسكرية، يرى المراقب للشأن الأمني صالح عبدالعزيز الوردي “أن معركة قضاء تلعفر صعبة للغاية، وأن صعوبتها تكمن في شقها السياسي، وليس العسكري، بسبب أن القضاء يقطنه الآن سكان من القومية التركمانية ذات المذهب السني والشيعي وأن القوات المهاجمة الأساسية والتي تقف على تخوم القضاء هي قوات الحشد الشعبي المعروفة بانتمائها إلى المذهب الشيعي، وأن هناك أطرافا إقليمية كتركيا ومحلية كممثلي المكوّن السني في العملية السياسية سوف يدخلون على خط المواجهة في حال لم تسارع الحكومة العراقية باستبدال القوات المكلفة بعمليات استعادة البلدة، ما يعني أن بقاء الوضع على ما هو عليه الآن سيعقّد من حسم المعركة، وسيجعلها كرا وفرا وما التجربة السورية واليمنية ببعيدة عن هذا الواقع”.

وأَضاف الوردي أنه “لا بد من إنهاء الخلافات السياسية، وحل المشاكل بين الساسة وترتيب الأوراق الداخلية والخارجية، قبل الشروع في عمليات استعادة قضاء تلعفر. وفي حال جرى تصفية جميع الأوراق والوصول إلى صيغة حلّ ترضي الأطراف التي لها مصالح في القضاء، فإن المعركة سوف تنجز بوقت قياسي وستكون نتائجها الإيجابية واضحة للعيان، خاصة في ما يتعلق بالحفاظ على أرواح المدنيين العزّل والقوات العراقية والبنى التحتية”.

وتابع أن “الأحداث ومستجداتها على الساحة العراقية تبيّن أن حيدر العبادي قد يتريث بعض الشيء بإطلاق ساعة الصفر لاستعادة تلعفر، وهو يعي ما يفعل بانتظار حسم بعض الملفات العالقة وتهيئة الأرضية المناسبة لإطلاق مثل هذه العملية، التي تقوم على جزئيات وأسس طائفية، لذا فإن التعامل معها يجب أن يكون بحذر شديد ومدروس من كل الجوانب لمنع الوقوع في مستنقع، قد يكون الخروج منه بغاية الصعوبة، وبحاجة إلى سنوات والكثير من الأرواح والأموال”.

وقال مايكل نايتسن الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن “تلعفر ستكون كالموصل تقريبا وستحتاج إلى نوع من عملية التطهير التقليدية”، فيما أكّد باتريك مارتن، المحلل في معهد دراسات الحرب أن “إصرار الفصائل الشيعية على السيطرة على تلعفر والمقترن برفض الولايات المتحدة وتركيا السماح لتلك الفصائل بالمشاركة”، من بين الأمور التي ستؤدي إلى صراعات مستقبلا، حيث يدور صراع تركي – إيراني على بلدة تلعفر.

ويحذّر مسؤولون أتراك من اقتحام الفصائل الشيعية تلعفر خشية حصول أعمال عنف طائفية ضد التركمان السنّة الموجودين في المدينة والذين ينظر إليهم من قبل التركمان الشيعة الذين غادروا المدينة إلى محافظات جنوب العراق في كربلاء والنجف بأنهم يدعمون داعش.

ويتبع قضاء تلعفر ثلاث نواحٍ وهي ربيعة التي تسكنها عشيرة شمر، وزمار تتكون من 78 قرية منها 49 قرية عربية و29 قرية كردية، والعياضية التى يسكنها خليط من التركمان والعرب وعدد قليل من الأكراد في القرى التابعة لها، حيث تتواجد عشيرة الجرجرية الكردية في قرى الناحية.

7