المعركة مع الصين تؤجل مواجهة الناتو لروسيا

قمة الناتو تضع الخطر الروسي في المرتبة الثانية مقارنة بما تمثله الصين في تحول استراتيجي ملفت في منظومة الأمن الغربي.
الجمعة 2019/12/06
عودة لافتة إلى خارطة قوى النظام العالمي

لندن – تتفق الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي على الخطر الذي تمثله روسيا، ودورها الصاعد في النظام العالمي المتغير، إلا أن اللافت في متابعات قمة الناتو في لندن التحولات الإستراتيجية في منظومة الأمن الغربي، ومنها وضع الخطر الروسي في المرتبة الثانية مقارنة بما تمثله الصين.

وما صدر من داخل اجتماعات الحلف، كما على هامشها، من مواقف وردود فعل، يشير إلى أن مسعى للتعامل بعقلانية وحتى التقرب من روسيا، رغم القلق الذي تسببه، خاصة في ظل السياسات الأميركية.

ولم يكن تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن روسيا لم تعد عدوة إلا استفاقة علنية متأخرة عن السياسة الملتبسة التي اعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ أن بات رئيسا للولايات المتحدة.

وكان الرئيس الفرنسي قد قال، الأربعاء، إن روسيا لم تعد عدوا لحلف الناتو، مشيرا إلى أن العدو الآن هو الإرهاب الدولي. وكتب ماكرون في منشور على موقع فيسبوك “روسيا هي لا تزال تمثل تهديدا، لكنها أيضا شريك في بعض الأمور”.

ويستنتج خبراء أن أوروبا تسعى للتسابق مع واشنطن على التفاهم مع بوتين، على الرغم من أن أخطار روسيا على أوروبا أعلى بكثير -بحكم الجغرافيا- من أخطارها على أمن الولايات المتحدة.

ويعبر ماكرون عن القلق الأوروبي حيال جغرافيا روسيا، لكنه في المقابل يدعو إلى ضرورة الحوار مع روسيا حول موضوع الرقابة على الأسلحة، مشيرا إلى أنه يأخذ على محمل الجد مخاوف بعض الأعضاء في الناتو، وخاصة بولندا ودول البلطيق، بشأن نشر صواريخ “إسكندر” الروسية قرب حدودها.

أوروبا تسعى للتسابق مع واشنطن على التفاهم مع بوتين، على الرغم من أخطار روسيا عليها

وباتت دول الاتحاد الأوروبي أكثر إدراكا لثبات السياسة الروسية ووضوح التعامل معها، مقابل مزاجية السياسة الخارجية الأميركية، لاسيما تجاه أوروبا، وخصوصا في عهد ترامب.

وكانت المستشارة الألمانية سباقة في هذا المجال حين دعت في 22 نوفمبر إلى التعاون مع روسيا، رغم الخلافات القائمة لأن “علاقات حسن الجوار مع موسكو تصب في مصلحة برلين”، علما أن برلين ما زالت متمسكة بخط الغاز الروسي الألماني نورد ستريم 2، على الرغم من موقف واشنطن وانتقادات ترامب.

في المقابل، يبدو أن ترامب الذي سبق أن اعتبر الحلف متقادما، موحيا بعدم لزوميته، انتهج هذه المرة سلوكا متعصبا لصالح الحلف منتقداً بشدة تصريحات نظيره الفرنسي حول “موت دماغي” يعاني منه الناتو. وإذا أبدى ترامب في السنوات الأخيرة “تفهما” للهواجس الروسية وحرصا على علاقة شخصية ممتازة مع الرئيس بوتين، فإن الرئيس الأميركي شيّد سجله داخل البيت الأبيض على ثوابت التصدي لظاهرة الصين وتعاظم شأنها في العالم.

ولا يحيد ترامب في هذا الشأن عن عناوين إستراتيجية كبيرة وضعتها الولايات المتحدة منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما، اعتبرت أن النقيض الحقيقي والأساسي للموقع الأميركي في العالم هو الصين، وأن كافة التناقضات الأخرى -بما فيها تلك التي مع روسيا- تبقى ثانوية يسهل التعامل معها.

ويكفي تأمل ما أعلنه الأمين العام لحلف الناتو حول الخطر الصيني لاستنتاج هذا “العشق” المستجد الذي أبداه الرئيس الأميركي للحلف. فقد قال ينس ستولتنبرغ إن على الحلف معالجة “التأثيرات الأمنية” الناتجة عن تصاعد الصين كقوة عسكرية، إلا أنه أكد أنه لا يرغب في جعل الصين عدوا. وأضاف أن قدرات الصين العسكرية المتنامية -بما في ذلك الصواريخ التي يمكن أن تضرب أوروبا والولايات المتحدة- تعني أن على التحالف أن يعالج القضية بشكل جماعي.

وذهب إلى الإفصاح عن التحول الأطلسي قائلا “لقد أدركنا الآن أن لتصاعد الصين تأثيرات أمنية على جميع الحلفاء”. وأضاف “الصين تملك ثاني أكبر ميزانية دفاعية في العالم، وعرضت مؤخرا الكثير من القدرات الجديدة والحديثة بينها صواريخ طويلة المدى قادرة على الوصول إلى أوروبا بأكملها والولايات المتحدة”.

أن ينتهج “الأطلسي” العقيدة الأميركية في مواجهة الصين، فهذا يعني أن الولايات المتحدة تعول على الذراع الغربي العسكري العملاق في إطار جملة الخيارات، السياسية والاقتصادية والعسكرية، من أجل التصدي للتمدد الصيني في العالم.

ولا شك أن إجماع الدول الغربية، سواء تلك الأعضاء داخل حلف الناتو أو تلك التي خارجه والمرتبطة باتفاقات معه، على الإقرار بـ”الخطر” الصيني، يحرر كل المنظومة الغربية من أغلال القيود السابقة التي كانت تحول دون تطبيع كامل ومريح مع دولة “عدو” مثل روسيا، الأمر الذي يؤكد التغير الحاصل في خارطة النظام العالمي.

7