المعركة من أجل حكم فرنسا لن تنتهي بانتخاب رئيس

يتنافس إيمانويل ماكرون ومارين لوبان الأحد 7 مايو لكسب أصوات الفرنسيين خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، لكن نظريهما يتجهان أكثر نحو الانتخابات التشريعية في يونيو المقبل، حيث تعتبر هذه الانتخابات موعد الحسم الذي سيفصل في ما إذا كان الرئيس المنتخب سيحكم الجمهورية مساندا بأغلبية مريحة أم سيعاني من معارضة شرسة داخل الجمعية الوطنية.
السبت 2017/05/06
ولي عهد النخبة التقليدية لحماية الجبهة الجمهورية من اليمين المتطرف

باريس – كثف كل من المرشحين للرئاسة الفرنسية الوسطي إيمانويل ماكرون واليمينية المتطرفة مارين لوبان آخر مداخلاتهما الإعلامية ولقاءاتهما الميدانية الجمعة؛ اليوم الأخير لحملة انتخابية شهدت توترا حادا. ويبدو ماكرون الأوفر حظا في استطلاعات الرأي وبفارق يزداد اتساعا، ومنحه آخرها 61.5 بالمئة من نوايا التصويت مقابل 38.5 بالمئة لمارين لوبان، فيما بلغت النتيجة في استطلاع آخر 62 بالمئة لماكرون مقابل 38 بالمئة للوبان.

في 23 أبريل كسر الفرنسيون القاعدة التقليدية بإزاحتهم معسكر اليسار ومعسكر اليمين من السباق الرئاسي. يوم 7 مايو لن تكون المواجهة بين الوسط واليسار التقليديين بل ستكون بين الشعبوية اليمينية ممثلة في مارين لوبان، والتكنوقراطية الليبرالية ويمثلها إيمانويل ماكرون. وهي مواجهة تؤشر على عهد جديد.

في التاريخ الفرنسي لم يفز أي مرشح من حزب سياسي هامشي في الانتخابات الرئاسية. في سنة 2002 وصل جون ماري لوبان (والد مارين لوبان ومؤسس حزب الجبهة الوطنية) إلى جولة الإعادة لكن هزمه الرئيس جاك شيراك في الدور الثاني بفارق عريض بعد أن تحالفت الأحزاب الأخرى ضد لوبان. وسيواصل النظام الانتخابي في البلاد في لعب دور مهم في نتيجة الانتخابات الرئاسية لهذا العام، التي يتوقع أن تحسم لصالح ماكرون.

لكن المعركة من أجل فرنسا لن تنتهي بانتخاب رئيس، ولا حتى بتشكيل الفريق الحكومي الذي سيقود المرحلة. فبعد الانتخابات الرئاسية هناك معركة أشد شراسة وهي معركة الانتخابات البرلمانية التي ستأتي بعد بضعة أسابيع من نظيرتها الرئاسية، ونتائجها التي ستحدد ما يمكن للرئيس الجديد تحقيقه من موقعه، إذ يحتاج الزعيم المقبل لفرنسا دعم المشرعين لتنفيذ أغلب العناصر الموجودة في برنامجه أو برنامجها. وفي عملية أكثر تعقيدا، إذا سيطر حزب معين على الرئاسة وفاز آخر بأغلبية في البرلمان قد تصبح عملية صنع السياسات أكثر صعوبة مما يقلص من حظوظ إجراء إصلاح شامل في البلاد.

الفرنسيون أكثر الأوروبيين تطرفا
برلين – أظهر استطلاع للرأي أجري قبل يومين من الانتخابات الرئاسية الفرنسية أن الناخبين الفرنسيين من بين الأكثر استقطابا في دول الاتحاد الأوروبي ويصف واحد من كل خمسة منهم نفسه بأنه “متطرف” بينما يقول الثلث فحسب إنهم ينتمون إلى “الوسط”.

وأظهر الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة بيرتلزمان أيضا مستوى مرتفعا على نحو غير معتاد من عدم الرضا عن التوجه الذي تسير فيه البلاد الأمر الذي يسلط الضوء على التحديات التي سيواجهها الرئيس الجديد.

ويواجه المرشح الوسطي المستقل إيمانويل ماكرون زعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبان التي تمثل اليمين المتطرف الأحد في جولة ثانية تغيب عنها أحزاب يمين الوسط ويسار الوسط للمرة الأولى منذ تأسيس الجمهورية الخامسة قبل نحو 60 عاما.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ماكرون سيتغلب على لوبان بنحو 60 في المئة مقابل 40 في المئة.

وأظهر استطلاع سابق أجربته بيرتلزمان الذي أجري في مارس الماضي وشمل 11021 شخصا عبر الاتحاد الأوروبي أن 20 في المئة من الناخبين الفرنسيين يرون أنفسهم إما من أقصى اليمين وإما من أقصى اليسار مقارنة بنحو سبعة في المئة فقط من باقي سكان الاتحاد الأوروبي.

ومن بين هؤلاء وصف 14 في المئة أنفسهم بأنهم ينتمون إلى أقصى اليمين.

وقال 36 في المئة إنهم يعتبرون أنفسهم وسطيين مقارنة بنحو 62 في المئة من باقي مواطني الاتحاد الأوروبي.

التشريعية: يجب عدم تجاهلها

بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية ستنظم الانتخابات التشريعية في 11 و18 يونيو. وسيحتاج الرئيس المقبل المساندة من الجمعية الوطنية للإيفاء بوعوده الانتخابية وخاصة بالنسبة إلى الإجراءات المثيرة للقلاقل مثل تنظيم استفتاء حول العضوية في الاتحاد الأوروبي. وقبل التمكن من هكذا استفتاء يجب إصلاح الدستور الفرنسي، ويحتاج ذلك إلى تصويت بأغلبية ثلاثة أخماس في الكونغرس، وهي الهيئة الخاصة التي تتكون عندما تجتمع الجمعية الوطنية مع مجلس الشيوخ للتصويت على التغييرات الدستورية. (وأي محاولة يقوم بها الرئيس لتنظيم استفتاء حول العضوية في الاتحاد الأوروبي دون موافقة الكونغرس قد تتعرض لتعطيل من المحكمة الدستورية في البلاد). لكن حتى الإصلاحات المتواضعة في مجالات سياسية أخرى تتطلب موافقة من المشرعين.

تحمل الجمعية الوطنية مفتاح القدرة على حكم البلاد ففي النظام الفرنسي شبه الرئاسي يتعايش الرئيس مع رئيس وزراء، وبصفة عامة يشرف الرئيس على السياسة الخارجية والدفاعية في حين يتكفل رئيس الوزراء بمسؤولية السياسة الداخلية والاقتصادية، لكن هذه التمييزات غير واضحة إذ في الكثير من الأحيان ما يتدخل الرئيس في رسم السياسة الداخلية والاقتصادية. وفي حين يعين الرئيس رئيس الوزراء، فإن لدى الجمعية الوطنية القدرة على إجبار رئيس الوزراء ومجلس وزرائه على تقديم الاستقالة. وهذا يعني أن على الرئيس أن يختار رئيس وزراء يعكس إرادة الأغلبية في الجمعية الوطنية.

ولأن الانتخابات الرئاسية والانتخابات التشريعية تحدث بفارق أسابيع عادة ما يفوز الحزب نفسه في الاثنين. ومع ذلك من الممكن لأحزاب مختلفة أن تسيطر على الرئاسة والجمعية الوطنية، وهي وضعية تسمى في فرنسا “العيش المشترك”.

وتجبر هذه الوضعية كلا من الرئيس ورئيس الوزراء على التعاون من أجل تفادي الشلل السياسي. مثلا في سنة 1986 بعد أن فشل حزبه في كسب السيطرة على الجمعية الوطنية وجد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران نفسه مجبرا على تعيين الزعيم المحافظ جاك شيراك رئيسا للوزراء.

لا تمثل لوبان وماكرون حزبا كبيرا ذا تمثيلية قوية على المستوى الوطني وكلاهما من خارج المنظومة التقليدية، في المقابل يتوقع أن يحقق مرشحون ينتمون إلى الأحزاب التقليدية تقدما في الانتخابات التشريعية، لذلك يبدو التعايش المشترك السيناريو الأقرب للحياة السياسية الفرنسية في الفترة القادمة.

في انتخابات سنة 2012 فازت لوبان بـ17.9 بالمئة من الأصوات. وبالرغم من أن ذلك كان أحسن نتيجة حققتها الجبهة الوطنية فإنها فشلت في بلوغ الدور الثاني. وفي الانتخابات التشريعية التي جاءت بعد بضعة أسابيع فقط فازت الجبهة الوطنية بمقعدين فقط في الجمعية الوطنية من مجموع 577 مقعدا.

ساهم نظام الدورتين في تلك الحصيلة إذ وصل مرشحو الجبهة الوطنية في الكثير من الدوائر الانتخابية إلى الدور الثاني ليخسروا لفائدة المعتدلين. زيادة على ذلك لم تقدم الجبهة الوطنية مرشحين في كل دائرة. ويبقى أهم عامل هو أن الحزب لم يحقق في الانتخابات التشريعية إلا 13.6 بالمئة من الأصوات على الصعيد الوطني (أقل بكثير من نصيب لوبان في الانتخابات الرئاسية). وهذه النتيجة تدل على أن الزعيمة كانت أكثر شعبية من حزبها.

إذا فشل الحزب الذي يفوز بالرئاسة في كسب السيطرة على الجمعية الوطنية تكون أول خطوة يقوم بها الرئيس البحث عن الدعم في المجلس لتعيين رئيس وزراء ومجلس وزراء توافقيين. ويمكن أن يحدث ذلك عبر إحداث تحالف رسمي مع حزب أو أكثر في الجمعية الوطنية، أو من خلال تكوين حكومة أقلية تتلقى الدعم من أحزاب أخرى على أساس كل سياسة على حدة، ويتطلب كلا السيناريوهين مفاوضات مستمرة بين الرئاسة والجمعية الوطنية وأسلوبا معقدا لصنع السياسات. ويعطي الدستور الفرنسي رئيس الوزراء إمكانية تجاوز الجمعية الوطنية لكن ذلك يحمل مخاطر التسبب في تصويت بسحب الثقة.

يكون التحالف بين الرئيس والأحزاب في الجمعية الوطنية مرجحا أكثر إذا كانت تركيبة المجلس متكونة من عدة أحزاب ولا يوجد حزب واحد يمتلك أغلبية المقاعد. لكن إذا حصل حزب واحد على الأغلبية يمكن أن يحاول فرض رئيس وزراء على الرئيس، ويمكن لذلك أن يحدّ كثيرا نفوذ الرئيس على الشؤون الداخلية ويوسع مجال الخلاف بين الرئاسة ورئاسة الوزراء.

يمنح الدستور الفرنسي “سلطات استثنائية” للرئيس للتحكم في البلاد بالكامل في أوقات الأزمات الحادة (مثلا في حالة هجوم إرهابي)، لكن محاولة استعمال هذه السلطات لتجاهل الجمعية الوطنية من المحتمل أن تثير احتجاجات عارمة. كما يمكن للرئيس أن يحاول استبدال النظام شبه الرئاسي في البلاد (أثار كل من ميلنشون ولوبان تلك الإمكانية)، وهي خطوة تستدعي إصلاحا دستوريا، لكن باستطاعة كل من الجمعية الوطنية والمحكمة الدستورية تعطيل هذه المحاولة.

تسلق ناشطين لبرج إيفل يكشف ثغرات أمنية عشية الانتخابات
تسلق ناشطون من منظمة السلام الأخضر (غرين بيس) عشية الانتخابات برج إيفل، الموقع الأشهر والأكثر حراسة في باريس وعلقوا لافتة عملاقة مكتوب عليها شعار الجمهورية الفرنسية «حرية عدالة أخوة». ودفعت المغامرة التي استخدم فيها الناشطون معدات تسلق الجبال، رئيس شرطة باريس للدعوة إلى اجتماع طارئ تقرر فيه فرض إجراءات أمنية إضافية.

النتيجة الحاسمة

بالرغم من الصعوبة التي ستواجهها مرشحة مثل لوبان في محاولة تطبيق برنامجها السياسي دون الحصول على دعم واسع، فإن فوزها سيكون له وقع نفسي في فرنسا وفي الخارج مما من شأنه أن يتسبب في هزات ارتدادية سياسية واقتصادية ومالية.

لن تكون ردة فعل الأسواق المالية جيدة لفوز لوبان إذ من المحتمل أن ترتفع أسعار الفائدة على ديون فرنسا وبلدان أخرى من أوروبا الجنوبية، في حين قد تهبط قيمة اليورو خشية وقوع تراجع اقتصادي آخر في أوروبا.

وستكون هذه الاضطرابات حادة بشكل خاص إذا بدأ المدخرون والمستثمرون في القلق بتفكك منطقة اليورو. وقد تشهد فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها هروب الرساميل عندما ينقل أصحاب الأموال المدخرة في البنوك الفرنسية أو الأوروبية الجنوبية أموالهم إلى ملاذات أكثر أمانا في أوروبا الشمالية أو خارج الاتحاد الأوروبي مخافة أن يتم لاحقا تعويض اليورو بالعملات الوطنية.

قد يجبر ذلك الحكومات الوطنية أو حتى البنك المركزي الأوروبي على اعتماد إجراءات رقابة للأموال في منطقة اليورو ودفع الاتحاد الأوروبي إلى الشروع في خطط لإنهاء اليورو.

رئاسة لوبان دون دعم من الجمعية الوطنية يمكن أن تكون هشة وقصيرة في مدتها، ومن المرجح أن تؤجج احتجاجات واسعة وتزعزع استقرار فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا. وعلى المستوى القاري ستكون أول ردة فعل من ألمانيا محاولة التفاوض مع الرئيس الجديد.

وتدعم ألمانيا والأسواق المالية ماكرون ومع ذلك ستحد القيود المؤسساتية والسياسية من قدرة المرشح على تحويل وعوده الانتخابية إلى سياسات على أرض الواقع وذلك في ظل غياب تفويض تشريعي. إذا بالرغم من أن نتيجة السباق الرئاسي المرتقب مهمة بالتأكيد لفرنسا وخارجها، ستكون نتائج الجمعية الوطنية المقبلة هي الأخرى حاسمة لتحديد مسار البلاد إلى الأمام.

ويرى باسكال بيرينو الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس، في تصريح لقناة فرانس 24 “إن الانتخابات التشريعية لم يسبق لها أن كانت ضبابية مثل اليوم. في العادة تكون هناك مصادقة على التحالفات من خلال اختيار الرئيس لأغلبية تتشكل قبل الانتخابات حول اليمين أو اليسار. وهذا ليس حال إيمانويل ماكرون ومارين لوبان”، فمعهما لم يتم تشكيل أي نوع من هذه التحالفات.

وذكر تقرير للقناة الإخبارية الفرنسية حول التحالفات في مرحلة ما بعد الرئاسيات أن الوضع المعقد للمرشحين يفرض عليهما أن يبحثا عن تحالفات مع باقي الفاعلين السياسيين، لتكوين أغلبية. هذا الأمر دفع إيمانويل ماكرون، منذ الإعلان عن نتائج الدورة الأولى للانتخابات، إلى تأكيد رغبته في تشكيل أغلبية “حكومية جديدة من أجل التغيير”، بحسب تعبيره.

أضاف ماكرون الذي يراهن على استقطاب سياسيين من اليمين واليسار خلال الانتخابات التشريعية المقبلة “قوموا بالمجازفة انطلاقا من هذا المساء والتحقوا بي في هذه الأغلبية البرلمانية التي سأبدأ في تشكيلها منذ الغد“.

في المقابل تطمح لوبان، التي أعلنت عن تخليها عن زعامة حزب الجبهة الوطنية”، في النأي بنفسها عن صورة الحزب الذي أسسه والدها جان ماري لوبان، وطمأنة حلفاء سياسيين محتملين، لكنها واجهت صعوبات في إقناع أحزاب أخرى بالانضمام إليها.

ويتعزز هذا المعطى بحكم أن العديد من قيادات الأحزاب سواء في اليمين مع الجمهوريين أو اليسار مع الاشتراكيين أعلنوا مساندتهم لماكرون في الدورة الثانية للرئاسيات والحفاظ على “الجبهة الجمهورية” في مواجهة اليمين المتطرف.

7