المعسول

السبت 2016/09/10

في سنة 1937، اختارت سلطات الاستعمار الفرنسي أن تنفي عالما شابا، في السابعة والثلاثين من عمره، اسمه محمد المختار السوسي، إلى مسقط رأسه، بقرية إلغ بجنوب المغرب، بعيدا عن طلبته بمراكش. ذلك لأن المختار السوسي كان قد انخرط في حركة النضال السياسي والثقافي، سواء من خلال تأسيسه لجمعية الحماسة الثقافية أو إسهامه في إطلاق أخرى سرية، كان يرأسها علال الفاسي. كما مارس المختار السوسي نضاله بشكل خاص من خلال تطوير التعليم الوطني، حيث أسس مجموعة من المدارس بمدينة مراكش والتي صارت تنافس، من حيث جودتها وعددها، مدارس الاستعمار، مع تركيزها على المواد التي تكرس الهوية المغربية.

اختار محمد المختار السوسي، خلال التسع سنوات التي قضاها منفيا، ومنذ اليوم الثاني من وصوله إلى قريته الصغيرة إلغ، البدء في تدوين تاريخ وأدب منطقته. سيطول العمل لتكون نتيجته مؤلفه الضخم “المعسول”، الذي سيطبع على نفقته، في عشرين جزءا، سنة 1960، بمجموعة من مطابع المغرب، وذلك قبل أن تُنشر طبعته الثانية ببيروت سنة 2014. ولعله بذلك يكون، حسب تقريظ لعبدالكريم ابن الحسني، أحد أضخم الكتب التي عرفها تاريخ الكتابة بالمغرب، إلى جانب كتاب “الممهد الكبير”، في شرح الموطأ، للعثماني الورياغلي، والذي ناهز الخمسين مجلدا.

واستطاع محمد المختار السوسي، بفضل خبرته السابقة في مجال الكتابة التاريخية، أن يمنح للقارئ فرصة اكتشاف تاريخ وثقافة ورجالات منطقة سوس، التي تبقى في جميع الأحوال، منطقة محدودة جغرافيا، وذلك من خلال الستة آلاف صفحة التي يستغرقها كتاب المعسول. كما حرص المختار السوسي على أن يُجنب القارئ الملل الذي قد يتسرب عبر كتاب من هذا الحجم، مانحا إياه سهولة السفر عبر تشعبات الترتيب الذي اعتمده في التعريف برجالات وعلماء منطقة سوس، حيث كلما عَرَّف بعالم ذكر أساتذته وتلامذته وجميع رجالات العلم من أسرته، بشكل يبدو معه المعسول أشبه بمجموعة مؤلفات عن الأسر. وهو بذلك يحقق تراكما دالا على مستوى التأليف المغربي والعربي في مجال تاريخ أعلام المدن والمناطق، والذي يبقى من علاماته كتاب “سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس” لمحمد بن جعفر الكتاني.

في ليلة من ليالي سنة 1941، أنهى محمد المختار السوسي كتابة المعسول. المختار السوسي يصف هذه اللحظة بانتشاء، شاكرا القدر الذي وضعه في المنفى والذي منحه فرصة كتابة المعسول. في نفس الليلة، تفرغ لكتابة خاتمة العمل، مشيرا إلى أنه كان يفعل ذلك على صوت بكاء ابنه الصغير، وإن كان يجد، كما كتب، في بكائه ألحانا ونغمات لا يجدها في ألحان ونغمات أم كلثوم وعبدالوهاب.

كاتب من المغرب

17