المعلم كمال جنبلاط وإرث الحضارات في دولة وطنية

الأحد 2014/03/23
قال عن الحكام \"جاء بهم الأجنبي فليذهب بهم الشعب\" فقتلوه

صعبة الكتابة عن كمال جنبلاط، المفكر والسياسي والزاهد والكاتب والمقاتل والعالم والفيلسوف، في وقت تحتاج فيه الشعوب إلى قيادات من طراز كمال جنبلاط، تملك من المعرفة قدر ما تملكه من الزعامة والحضور، وتنطوي على ثوابت مبدئية قدر انطوائها على الحرية في التحرّك السياسي والمناورة.

هو من قال عن رؤساء الأنظمة العربية التي انشغلت بإرضاء الغرب أكثر من إرضاء شعوبها: ” جاء بهم الأجنبي فليذهب بهم الشعب”، وما زالت الشعوب تردّد كلمات من أطلق عليه الناس لقب “المعلّم”، ففي العام 1949، اتصل كمال جنبلاط الإقطاعي الوحيد لأمّه، بعد أن اغتيل والده وهو في الرابعة، بعدد من أصدقائه من سياسيي لبنان، قال لهم تعالوا لنشرب الشاي، ولكن حفلة الشاي تلك انتهت بتوقيع وثيقة ميلاد ما سيعرف فيما بعد بالحزب التقدمي الاشتراكي، الذي أسّسه كمال جنبلاط بالتعاون مع مسلمين سنة ومسيحيين ودروز، وترأسه حتى آخر لحظة من حياته.


الأسرة الحاكمة لحلب


يقول المؤرخون إن أسرة جنبلاط جاءت مع الأيوبيين، ويستندون بذلك إلى أن الأسرة كردية مسلمة سنّية قبل أن تتحوّل إلى عقيدة المسلمين الموحّدين الدروز، وتعني “جان بولاد” ” ذو الروح الفولاذية”، وكانت لهم حروب شهيرة ضد الصليبيين لمؤازرة الدولة الأيوبية، ليستقروا في حلب، وليولّي السلاطين العثمانيون “علي باشا جان بولاد” حاكماً على منطقة حلب، وظلوا حكاما عليها حتى ثار علي باشا جان بولاد على العثمانيين فقضى هؤلاء على ثورته وأعدم في العام 1511، واستمرت الثورة في نسل علي باشا فقرّر أحد أحفاده، وهو جانبولاط بن سعيد اللجوء إلى جبل لبنان في العام 1530 بعد أن عرض عليه حليف جده الزعيم الدرزي فخر الدين المعني الثاني أمير جبل لبنان، وبعد وصوله أسس العائلة الجنبلاطية الدرزية التي ستعيش في لبنان حتى اليوم.

وفي جبل لبنان أصبحت عائلة جنبلاط، ومع اختفاء القيادة المعنيّة، في صدارة زعامة الدروز، فحمل لها هؤلاء الكثير من الاحترام والتقدير والولاء، وصولا إلى القرن التاسع عشر، الذي ظهر فيه الزعيم بشير جنبلاط الذي اندلعت بينه وبين مسيحيي لبنان من الموارنة معارك كثيرة، فتم أسره وإعدامه في العام 1825، وبعد حرب العام 1860، أمر العثمانيون بسجن سعيد جنبلاط وبقي في سجنه حتى وفاته، ولكنهم عينوا ابنه نسيب جنبلاط حاكماً على إقليم الشوف في العام 1884، ثم بعد ذلك تحوّلت القيادة إلى فؤاد جنبلاط والد كمال.


الأم نظيرة المرأة الزعيمة


بعد اغتيال فؤاد جنبلاط، قررت المرأة الملثمة نظيرة جنبلاط تولي شؤون الأسرة والطائفة، فقبلها الدروز، وكرّموها، وتم اختيارها قائم مقام للشوف بأسره، فأسست عهدا نسويا عربيا مبكرا، واتخذت قراراتها السياسية من قصر المختارة، حيث كان كمال الطفل يعيش، ويتعلّم تحت إشراف والدته التي حرصت على بقائه بعيدا عن السياسية خوفا عليه من الاغتيال فيكون مصيره كمصير والده وأجداده.

وقررت نظيرة جنبلاط الأم الزعيمة، أن توجّه ولدها نحو العلوم والمعارف لينشغل عن السياسة ومستنقعاتها، فاستجاب الطفل، الذي بدأ بتلقي العلم وهو ما يزال صغيرا عليه على يد ماري غريب خريجة الفرنسيسكان، في قصر المختارة كي يكون بعيدا عن كل الأحداث، ثم التحق بمعهد عينطورة للآباء اللعازاريين في كسروان، وكان كمال جنبلاط التلميذ الوحيد الذي يرافقه خادم خاص حتى حصوله على الابتدائية في العام 1928.

الأم الزعيمة قررت أن توجّه ولدها نحو العلوم والمعارف لينشغل عن السياسة ومستنقعاتها

واتجه كمال جنبلاط وفقا للتربية التي كان يتلقاها إلى الآداب والفنون والتاريخ والفلسفة، فبدأ بكتابه الشعر باللغتين العربية والفرنسية وهو في السادسة عشرة، وساهم الحاضن الدرزي العربي في المختارة بصقل توجهاته العربية دون أن ينخرط في القومية المتعصبة، ولكنه كان شديد الاهتمام بدراسته ولم يكن غريبا أن يحصل كمال جنبلاط على المرتبة الأولى في الثانوية العامة على مستوى لبنان كلّه في الفرع العلمي.

ثم أرسلته والدته في العام 1939 إلى باريس لدراسة القانون ولكنه أضاف على نفسه التزاما آخر بدراسة الفلسفة والعلوم السياسية والاجتماعية هناك، فدرس في السوربون ونال شهادة في علم النفس والتربية المدنية وأخرى في علم الاجتماع، ثم أعادته ظروف الحرب العالمية الثانية إلى بيروت ليتابع دراسته في جامعة القديس يوسف وينال إجازة الحقوق، ولكن قدره كان يسعى إليه فقد تم اغتيال حكمت جنبلاط النائب في البرلمان وصهر كمال جنبلاط وابن عمّه، فقرر الدروز أن يتولى كمال الزعامة من بعده في العام 1943 وقاموا بمبايعته وهو في سن الخامسة والعشرين.


الزعيم الشاب والحامل الفكري


وجد كمال جنبلاط أن الوقت سانح لتحويل كل العلوم والمعارف والفلسفات التي يطلع عليها إلى حركة اجتماعية سياسية تغيّر الواقع، فالعالم العربي كان يشهد حينها ميلاد العديد من الأحزاب والتيارات بعضها علماني وبعضها يميني، فاتخذ لنفسه اسما سياسيا حركيا يختلف عن اسمه الحقيقي، وكان “زولفي يوكسل “ (كمال جنبلاط) الوجه الثقافي المرافق للبنان الذي عرفه به العرب والعالم منذ سنوات ما قبل استقلاله وخلال الأحداث الطويلة والموّارة التي قدّمتها عقود القرن العشرين له، فلابد للبلاد من حوامل فكرية جديدة، تجد لها المخارج والحلول السياسية، لأن السياسي وحده لا يستطيع تبرير حركته وقراراته دون أن يقنع قاعدته الشعبية، وإلا انفصل عنها وصار وجوده نافرا ونشازا في بلاد أرادت أن تقول عنه نفسها أنها واحة الديمقراطية في العالم العربي.. لبنان.

كان أهم قاعدة ثبتها كمال جنبلاط أنه لا يمكن له البقاء في سجن الهوية الضيقة الطائفية

ورغم أن كمال جنبلاط كان مشغولا بالفكر والفلسفة، إلا أنه نظر إلى نفسه ودوره في الكون، كعالمٍ وليس كمنظّر، فالتفت إلى الكيمياء والتصنيع، فأنشأ في العام 1942 مختبرا كيماويا في المختارة لإنتاج “القطران والأسيد” وكان يعمل فيه أكثر من 16 ساعة يوميا حتى أنه اخترع آلة لتحويل غاز أسيد الكلوريد وتذويبه بالماء، ثم قرّر جنبلاط أن هذا كلّه ليس كافيا، فعاد من جديد إلى الجامعة ليدرس الاقتصاد في كلية الحقوق والعلوم السياسية والاقتصادية في الجامعة اللبنانية وانكب على اللغات ليتعلمها ويتقنها فتحدث وكتب بالعربية والفرنسية والإنكليزية وأتقن الهندية واللاتينية والأسبانية والإيطالية، واتجه إلى دراسة التصوّف في المشرق وزار الهند من أجل ذلك، فاطلع على الكتب المقدسة مثل الفيدا فيدانتا الهندية، وتفرّغ لدراسة القرآن الكريم والإنجيل والتوراة وكتب الحكمة شارحا ومحللا، واستعان على كل تلك الاهتمامات بولع شديد في اليوغا التي حفظت توازنه النفسي والفكري.


السياسي والمبادئ


بتأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي، التي اتخذ مبادئه من كل تلك الرحلات التي فرضها على نفسه كمال جنبلاط، بدأ التحوّل إلى ساحة السياسة والتجاذبات، فكان جنبلاط الصخرة التي لم يسهل تجاوزها يوما في لبنان، فهو بإصراره على الديمقراطية بالإضافة إلى ثوابت رآها وآمن بأنه لا يمكن التفريط بها، مثل العروبة والوعي الاجتماعي والعدالة والحرية والكرامة والمساواة، دخل معارك كثيرة من أجل تلك الثوابت، وكان أهم قاعدة ثبتها كمال جنبلاط أنه لا يمكن له البقاء في سجن الهوية الضيقة الطائفية، فهو ابن العالم وابن العالم العربي ووطنه الصغير معا، فطاف يصنع جسورا بدلا عن الأقفاص، بانيا عددا كبيرا من العلاقات مع زعماء العالم، فنشأت بينه وبينهم صداقات إنسانية عميقة، وحين أصبح وزيرا للتربية ثم الداخلية، أقرّ قوانين أخلاقية تتعلق بالثقافة والشباب لحفظ المجتمع اللبناني، واعتبر أن السياسة يجب أن تؤثر على الأخلاق، وأصرّ على القول ” لن أقبل بإبدال الدين المتحجّر بالأيديولوجية المتحجّرة”.

كان كمال جنبلاط شاعرا وفيلسوفا وعالما كيميائيا وحقوقيا ومفكرا وسياسيا آمن بأن قيادة الناس لا يليق بها إلا أن تكون حافلة بالمعرفة

كتب كمال جنبلاط الشعر وكان شعره نورانيا صوفيا يقول: ” “دار القمر على بيتي، وكان في الدهر رهبان، فصعدت صلاتهم إليّ، من خلال تدفق موجات نوره، وفي هضبات بيت الدين بناه الشيوخ، أرباب العقول الشامخة، في تطلعها إلى وجهه الحق، دقّت أجراسُ أعراس الشهود، من على مآذن أفئدة قلوبهم، وهناك العروس تنجلي في رؤية الزمان، أمام صمت العقول، وبهاء جمال الدنيا والآخرة، دار القمر واستدار في العمّة البيضاء، وفي تقدمة الخبز، رمز الوحدة الجوهرية، …آه.. لو كانوا يعرفون في ما يتعدّى الأديان، وفي رقصة الحق في فرح التكوين، في بهجة الولادة، في بيوت الله أي في قلوب المؤمنين.. دار القمر فوق بيتي وغاب”.

يقول وليد جنبلاط إنه كان يعيش في بيت والده حياة متقشفة، رغم ثراء العائلة، وأنه لم يتعرّف إلى جهاز التلفزيون حتى سن العشرين، فكان كمال نباتيا زاهدا في الحياة المترفة، يتطلع إلى ما هو أبعد من حياة الناس العادية.


المعلم في الحرب


قاد جنبلاط أول ثورة لبنانية ضد الاستبداد في العام 1958، حين استخدم الجيش الدبابات لقمع المتظاهرين، وانتصر فيها بعد نضالات كبيرة وأثمان كبيرة، ثم قاد أول ترحيب لبناني بانتقال المقاومة الوطنية الفلسطينية إلى أرض لبنان بدلا عن الأردن، وتحالف مع الزعيم الراحل ياسر عرفات، وخلق بذلك خطا كبيرا صار فيما بعد الحركة الوطنية اللبنانية التي اتخذت من كمال جنبلاط رئيساً لها، ولم يتردد في خوض الحرب ضد اليمين المسيحي الذي أراد طرد الفلسطينيين، بالإضافة إلى سعيه على المسار السياسي للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، وأسس جيش فخر الدين لحفظ وجه لبنان من الانجرار في مشروع حافظ الأسد والمشروع الإسرائيلي معا، وطالب بخروج القوات السورية من لبنان، وذهب إلى دمشق مرات ليقنع الأسد بسحب جيشه، إلا أن جنبلاط كان مصرّا على التخلص من فكرة اعتبرها شيطانا في تفاصيل الأسد تمثلت في الطائفية السياسية، التي أراد استبدالها بالدولة الديمقراطية، وهذا لم يكن مناسباً للأسد ولا لحلفائه في لبنان.

قاد كمال جنبلاط أول ثورة لبنانية ضد الاستبداد في العام 1958، حين استخدم الجيش الدبابات لقمع المتظاهرين، وانتصر فيها بعد نضالات كبيرة وأثمان كبيرة، ثم قاد أول ترحيب لبناني بانتقال المقاومة الوطنية الفلسطينية إلى أرض لبنان

قاتل كمال جنبلاط من أجل وجه لبنان العربي، وحريته وديمقراطيته، ليكون دولة “التقدّم” الذي سمّاه في أدبيات حزبه “اختبار التقدّم” في الحياة المجتمعية، وقدّم صورة الزعيم، يقول جنبلاط: “أول أساس هو النظام السياسي، لا بد من دستور ديمقراطي فعلا، وثانيا ينبغي إلغاء الطائفية السياسية وتبني التمثيل النسبي، ثم النظام الاقتصادي والاجتماعي المرحلي الذي يعمّم الثراء بين اللبنانيين، ويزيل حاجز الفقر حول بيروت وداخلها وفي كل مدينة من مدن لبنان ومناطق واسعة من الأرياف اللبنانية، وفوق كل هذا ولأجل أن تكون كل تلك الاهتمامات متحققة يجب التخلص من فكرة لبنان المهجر، التي هي ضد المفهوم التاريخي للبنان قبل أن ينشئوا جبل لبنان المسيحي، لننتقل إلى فكرة لبنان الوطن”.


لا بد من الخلاص من كمال


ذهب كمال جنبلاط إلى دمشق مع وفد من الحركة الوطنية اللبنانية وأظهر له حافظ الأسد أن الأمور تسير إلى الحل، ولكنه عاد ليجد الجيش السوري وهو يقصف الفلسطينيين بالتعاون مع القوات والكتائب، فرفع صوته من جديد برفض الاحتلال السوري للبنان، فجاء القرار بالتخلص النهائي من جنبلاط، وتم تكليف المخابرات الجوية السورية بقيادة اللواء محمد الخولي، وكان أحد المنفذين هشام اختيار الذي قتل في عملية الخلية الأمنية في دمشق فيما بعد، خرج جنبلاط لزيارة جمعيات خيرية في الريف، فتقدمت سيارة من سيارته التي لم تكن تحرسها أيّة مرافقات أمنية، وأطلق المسلحون النار على جنبلاط ومن معه، قال وليد جنبلاط إن والده كان قد تحدّث عن الطائفة العلوية ودورها في المنطقة، والوجه العلوي للنظام السوري، وذكر التحالف العلوي الماروني، وكان ذلك الحديث آخر الأسباب التي أدّت إلى اغتياله، وبدأ سفراء دول العالم يعرضون عليه اللجوء السياسي، ولكنه قال: ” أريد أن أدفن في بلدي” فكان يعرف أنه سيقتل في مثل هذا الشهر آذار ـ مارس من العام 1977، وقال باتريك سيل مؤرخ حافظ الأسد: “مما لا شكّ فيه أن جهاز مخابرات سوري كان وراء اغتيال كمال جنبلاط، وذلك يرجع إلى نزعة انتقامية في شخصية حافظ الأسد”.

فكتبت مراثٍ وغنيّت أغانٍ كثيرة عن المعلّم الذي أخرج الهويات من حبسها، وغنى له مارسيل خليفة جبل الباروك التي كتبها شوقي بزيع “كأنما جبل الباروك أذهله أن تنحني/ فبكى في يومك الشجرُ/ والأرْزُ أفلتَ من حُرّاسِهِ ومشى وفي ثناياهُ من جرحِ الردى خدرُ/ لما هَوَيْتَ هوى من بُرْجِهِ بَرَدى/ وبانكسارِكَ كان النيل ينكسِرُ/ كأنما أمّةٌ في شخصكَ اجتمعتْ وأنتَ وحدك في صحرائها المطَرُ/ أَظُنُّها طلقاتُ الغدْرِ حينَ هَوَتْ/ تكادُ لو أبصرَتْ عيْنَيْكَ تَعْتَذِرُ/ أرضَ الخسارةِ يا لبنان هَلْ رجلٌ/ يُعيدُ للناسِ بعدَ اليومَ ما خَسِروا”.

8