المعلن والمضمر في الاتفاق الروسي الأميركي

الثلاثاء 2013/09/24

الواضح تماما أن المبادرة الروسية بشأن السلاح الكيماوي للنظام السوري، هي استمرار لسياسية روسيا في إطالة الأزمة- الحرب بهدف الإبقاء على النظام، ومحاولة فاشلة كي يستطيع السيطرة على حصتها من سوريا، ويظهر ذلك من خلال تفاصيل الخطة التي تراهن على الزمن والوقت.

هذا هو المعلن في الاتفاق الروسي- الأميركي حول السلاح الكيماوي، الذي تتمسك به روسيا، لكنها تعلم جيداً أنها ورطة كبيرة مع الأميركي الذي يمسك بما هو أقوى من السلاح الكيماوي، سلاح السمعة الدولية والرأي العام والحلفاء والبريق العالمي، لذلك قرر بوتين التوجه إلى الرأي العام الأميركي عبر جريدة الأنيون الساخرة، والتي نقلت عنها جريدة النيويورك تايمز الشهيرة لإحداث التأثير في عملية صناعة القرار الأميركي، ومن أجل التهويل من الإرهاب وإطلاق المارد النووي الإيراني وتفجير المنطقة وإنهاء دور الأمم المتحدة. لقد كان رد الرئيس الأميركي متعاليا، ولم يتطرق أبدا لجوهر مقولات بوتين وذكّر بتخلف روسيا أما التقدم الأميركي في مجالات التطور والصناعة وحرية الرأي، وقد يكون تفكير جون مكين نشر مقالة رد على مقالة بوتين، في البرافدا الروسية غير مجد، لأن بوتين لا يكترث كثيراً للرأي العام في بلاده. وبالتالي فمن المرجح أن يكون المقال موجها للرأي العام الأميركي، وهنا يبرز تساؤل: لماذا لم يأت أوباما على ذكر فواجع بوتين التي يهدد بها وعلى رأسها «الإرهاب» بينما تميل سياسة أوباما إلى الاعتماد على اللعبة الديمقراطية ودور الشعوب، منذ خطاباته الأولى في تركيا والقاهرة، رغم ما يبدو من تناقض في تعامله مع الملف السوري.الاتفاق الأميركي- الروسي يحمّل العقل السياسي العربي والسوري خصوصا، أكثر مما يحتمل، ويظهر من خلال القراءات السياسية للمعارضة وقواها المتعددة التي رفضته، ولم تجد فيه إلا نهاية الثورة وإعادة إنتاج للنظام، الشيء الذي جعل جون كيري يوضح «لا أحد يعتقد أن الاتفاق سيكون طوق نجاة للأسد»، أما الملفت فكانت تصريحات رئيس هيئة أركان الجيش السوري الحر النارية على الاتفاق، رافضاً حتى الذهاب إلى جنيف، في الوقت الذي تواصل الدبلوماسية الأميركية إشهار الضربة العسكرية ووضع العداد الزمني للالتزام السوري الصعب بهذه الاتفاق. وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول إمكان تحقيق هذا الاتفاق، من سيقدم هذه المعلومات الكافية عن السلاح الكيماوي من أفراد النواة الصلبة في النظام؟

وهل ستصدق أميركا هذه المعلومات أم ستتحقق منها؟ وكيف سيتم دخول المراقبين إلى أكثر من مئة موقع مع استمرار القذائف والقتال؟ وإذا أطلق شبيحة الأسد النار على الوفد الأممي لاتهام المعارضة كيف ستتعامل روسيا والدول الكبرى في هذه الاحتمالات؟ والسؤال الأهم متى ينعقد مؤتمر جنيف مادام التخلص من السلاح الكيماوي عملية طويلة الأمد؟

المعلن في الاتفاق هو نزع السلاح الكيماوي وتسليمه، لكن هل هذا هو كل شيء، أم هو محطة إجرائية من محطات التهيئة للحل السياسي في سوريا، يتم خلالها استبعاد الفيتو الإسرائيلي، والشروع في بلورة هذا الحل لوقف النزيف السوري؟ فالفوضى والميوعة واستمرار القتال تربة خصبة للنظام وأعوانه ومنتجاته، وتبلور الحل تعرية لهذا النظام، وجانب غير منظور من المشكلة. هنا يكمن فهم المعارضة للتطورات، والتي تقاعست كثيراً في نقل الصورة إلى الرأي العام المحلي والعالمي، وعدم مقدرتها على تهيئة أوضاعها للمرحلة السياسية الجارية والمقبلة، ومن هنا يمكن فهم الإعلان على التوافق على رئيس الحكومة المؤقتة أحمد طعمة بهدف ترتيب أوضاع المناطق المحررة واستعادة روح الأمل عند الناس المنكوبين وقد باتوا جاهزين لتقبل أي حل للخلاص.

وبديهي القول أن أمام الحكومة المقبلة معارك كبيرة مع الداخل والخارج على رأسها استعادة أصل الصراع وصورته الأولى وأساس المشكلة، وكشف الإرهاب المدبر والترويج المزيف للأفكار والتوجهات والذي ظل يخدم النظام على مدار أكثر من عامين.

يقيناً ليس لدى روسياً الكفاءة السياسية الأميركية، ولم يعد لديها من الأوراق إلا السلاح الكيماوي والتهديد بنهاية العالم، بعد أن فقدت خرافاتها بسيطرة النظام على سوريا عبر السلاح التقليدي، وفشلت كل محاولاتها لمساعدة النظام في هذه المهمة، والدور الذي تلعبه موسكو دولياً أصبح يميل إلى أن يكون وظيفياً يعتمد على المساعدة في كشف أوراق أعداء الولايات المتحدة في سوريا وإيران. أما الاختبارات الأميركية فهي ماضية في تطويع الاتجاهات الشعبية العالمية نحو قيمها، وما الأحاديث عن عودة يالطة من جديد سوى اجترار لزمن مضى. فالمعركة على النفوذ العالمي أميركيا هي مع الصين، وليست مع روسيا، لذلك فإن المشروع الأميركي ماض، والاتفاق حول نزع السلاح الكيماوي هو بداية تجريد موسكو من الأوراق التي تمسكت بها مهددة بعرقلة هذا المشروع.

ولا يعدو هذا أن يكون إلا تكتيكا صغيرا في الصفقة الكبرى التي تعد لها واشنطن لوقف الزحف الاقتصادي الصيني في العالم، وأما انعكاساته على سوريا فستكون، قطعا، حلا سياسيا سيأتي لمصلحة الشعب السوري. يبقى أن الضربة العسكرية ما زالت قائمة ولم تستبعد واشنطن في تاريخها السياسي الخيار العسكري، ولكن بعد إعطاء الدبلوماسية وقتها وتعرية مقولات الخصوم، وهي في المسألة السورية مقولة الروس بأن الحل بيد السوريين.


صحفي سوري

8