المعمارية فاطمة عبدعلي: الحرف التقليدية ذاكرة ثقافية

المهندسة المعمارية فاطمة عبدعلي تكشف أن الحرف والصناعات التقليدية تجسد ركائز حقيقية للصناعات الثقافية والرهان على استدامتها سيسهم في حفظ الممارسات الإنسانية.
الثلاثاء 2020/09/29
الحرف تراث ثقافي

المنامة- أكدت المهندسة المعمارية فاطمة عبدعلي من إدارة التراث الوطني بهيئة البحرين للثقافة والآثار أن الصناعات الثقافية ترتكز على المضمون والثراء الإنساني الذي تنفرد به الثقافات حول العالم، وبينت أن البحرين بتاريخها وعراقتها تمتلك هذا التنوع والاستثنائية، فالرهان على الإرث غير المادي يمثل حراكا قويا وعميقا يساهم في التنمية والازدهار الاقتصادي، كما سيحقق مردودات وطنية وعالمية.

 وفي تصريح خاص لوكالة أنباء البحرين أوضحت المهندسة عبدعلي أن الحرف التقليدية قد شكلت مضمونا ثقافيا أدرجته هيئة البحرين للثقافة والآثار في سياق مناقشاتها بالملتقى الوطني الثاني للتراث الثقافي غير المادي التي انعقدت منذ 21 وحتّى 23 سبتمبر الجاري.

 وأشارت إليها باعتبارها تراثا إنسانيا عميقا، واستثمارا ثقافيا يعول عليه لتشكيل بنى تحتية للصناعات الثقافية والإبداعية في البحرين، في تأكيد على أن هذه الحصائل والنتاجات الإنسانية لها خصوصية ثقافية ذات مردود إنساني واجتماعي واقتصادي.

ليست الذاكرة وحدها التي تحفظ التاريخ بل الممارسات والحرف أيضا تساهم في ذلك كتعبيرات ثقافية أصيلة

وأردفت المهندسة أن هذه الحرف والصناعات التقليدية تجسد ركائز حقيقية للصناعات الثقافية في المنطقة، وأن الرهان على استدامتها وتكريسها لأجل صناعات إبداعية سيسهم في حفظ الممارسات الإنسانية بثرائها وتنوعها، قائلة “ليست الذاكرة وحدها هي حافظة للتاريخ، بل وهذه الممارسات والحرف أيضا التي تستدرج الثقافة والتاريخ، وتمثل تعبيرات ثقافية أصيلة ورمزيات للهوية المحلية”.

وأضافت “ما نراهن عليه في الثقافة ليس الحفظ والتوثيق فحسب، بل رهاننا على مستقبل الصناعات والحرف التي نكرس كل المساعي من أجل أن تكون شاهدا تاريخيا لا يمحى وهوية وطنية تلهم مدننا بما تنتج وتمنح. ولأننا نؤمن بمسؤوليتنا من أجل نقل هذا الإرث الجمالي وملامحه للأجيال التي تنتمي إليه، لا بد أن نحرك تلك الذاكرة وأن نترك لهذا الإرث أن يتجذر في صناعاتنا ويتفوق باستثنائيته واستدامته”.

وبينت المهندسة عبدعلي أن الحرف والصناعات التقليدية لم تكن تنحصر في المفاهيم العملية والمهنية فحسب، بل لها أبعاد أعمق من ذلك، ومضمونها يمنح دلالات اجتماعية وثقافية وتاريخية، موضحة أن قرى ومدن البحرين عبر التاريخ قد جسدت حاضنات إنسانية لتلك الدلالات، وشكلت بيئاتها المعيشية مواطن لنشوء وازدهار الحرف.

فاطمة عبدعلي: التصورات الثقافية قادرة على استنباط فرص استثنائية لخلق ما هو أبعد
فاطمة عبدعلي: التصورات الثقافية قادرة على استنباط فرص استثنائية لخلق ما هو أبعد

 وقالت “اتصلت الحرف الشعبية والصناعات التقليدية تاريخيا بالإنتاج الثقافي والتاريخي الذي تنفرد به مواقع ومناطق معينة، تبعا للممارسات الاجتماعية والإنسانية، جغرافية تلك المناطق، المؤثرات التاريخية عليها، المعتقدات، الفنون المهنية والحرفية التي تنفرد بها جماعات بعينها، بالإضافة إلى توافر المواد الأصلية، الاهتمامات المجتمعية والعوامل الاقتصادية وغيرها. كل تلك المعطيات أدت في حصيلتها إلى نتاجات إنسانية تاريخية، ارتبطت بتلك المواقع، والتي في غالبيتها هي مواقع تاريخية، تراثية وأثرية”.

ومن أمثلة ذلك، كما تؤكد عبدعلي، ازدهار صناعة الفخار في منطقة عالي، وصناعة السلال ومنتوجات النخيل في كرباباد والقرى الزراعية في المناطق الشمالية، النجارة وصناعة السفن في المحرق والنعيم والمناطق ذات البيئة الساحلية، فيما امتدت صناعة النسيج سابقا في القرى مثل بني جمرة وأبوصيبع ومقابة وغيرها. وقد أسهم هذا التنوع في الممارسات والخصوصية لكل منها في تكوين منظومة اقتصادية وإنتاجية متكاملة في المنطقة.

وأكدت عبدعلي على أن إدراج الرؤى الثقافية والفنية ضمن النتاجات الحرفية سيساهم بكل تأكيد في إثراء تلك الممارسات واستعادتها في سياق الحياة العصرية عبر تقديم تصور جديد وجمالي لهويتها، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال شراكات نوعية، وتحويل المنتج التقليدي إلى هوية ثقافية معاصرة، مشيرة إلى التجربة الناجحة التي حققتها هيئة البحرين للثقافة والآثار عبر مبادرة “من أرض ما قبل التاريخ” التي أعادت تطوير الهوية البصرية والوظيفية والجمالية لصناعات الفخار.

 وأشارت أن مثل هذه التصورات الثقافية قادرة على استنباط فرص استثنائية لخلق ما هو أبعد، وذلك عبر الحفاظ على التعبيرات الثقافية للهوية البحرينية، وإعادة رفدها اجتماعيا واقتصاديا وفق اشتغالات إبداعية تلتزم بصون الهوية وفرادتها من جهة، وتمنح الحرف صفات المعاصرة والتجديد من جهة اخرى.

15