المعمار والوظيفة والعاطفة

هناك حاجة للاحتفاظ بنوع من الطرز المعمارية القديمة وإدامتها كنماذج لثقافة ونمط حياة مجتمع ما في مرحلة تاريخية لتطلع عليها الأجيال الجديدة وتتخيّل طبيعة الحياة في الماضي.
الثلاثاء 2018/08/14
عالم التصميم يحكي قصة (لوحة: إدوارد شهدة)

في عالم التصميم إن جميع التكوينات، سواء صممها مهندس معماري أو فنان تشكيلي أو مصمم جرافيك أو مصمم معماري أو مهندس مناظر طبيعية، تحكي قصة وتؤدي وظيفة ما. تلك القصص والوظائف يمكن تمييزها في بعض الأحيان بسهولة، وفي أحيان أخرى يتطلب اكتشافها الكثير من التأمّل والتفكير العميق. ومثلما لا يمكن الحكم على الأشياء من شكلها الخارجي، كما هو الحال في الحكم على كتاب ما من شكل غلافه، لا يمكن الحكم على التصاميم المعمارية من شكلها الخارجي، إنما من ثراء المحتوى الداخلي وقدرته على تلبية حاجات الإنسان، وهو ما يمكن أن نطلق عليه وظيفة المبنى الأساسية.

ولطالما سعى المهندسون والمصممون المعماريون إلى تجسيد رؤيتهم الإبداعية بواسطة أساليبهم الخاصّة التي اعتمدوها في عملهم، الأمر الذي أدى إلى خلق الأنماط المختلفة والمتفاوتة من العمارة، ومع ذلك، فإن ما يمكن أن نطلق عليه عملية اكتشاف السرد المعماري في مبنى يقترح مستوى من المعنى والاتصال بالمستخدم.

يعتقد المهندس والمصمم المعماري الأميركي ويليم براون أن العمارة السرديّة تتطور من الاستكشاف المستقبلي لوظيفة المبنى وتلبيته لحاجات السكان، وغالبا ما يلعب التاريخ أو الحقبة الزمنية التي بُني فيها المبنى، دورا جوهريا من حيث الشكل والوظيفة. وبالنظر لفداحة الحاضر العربي والتدهور الحضري المتواصل الذي بات يسمم حياة الأفراد، تحول الماضي إلى حالة من الاستقطاب العاطفي الجياش، ليس على صعيد الذكريات وحسب، بل على جميع الأصعدة والمكونات والأمكنة كذلك، ومنها السمات المعمارية بطبيعة الحال.

فما زال الكثير من أسرى الماضي والمشدودين إليه بشكل عاطفي جياش، يدعون إلى المحافظة على البيئة المعمارية القديمة كنوع من الأصالة، متناسين المتغيرات الكبرى التي حصلت على صعيد البيئة المجتمعية والسلوكيات الجمعية وأنماط الحياة المعاصرة. وعلى سبيل المثال حرص المعماري القديم على عزل الفضاءات الداخلية للمنازل عن المحيط الخارجي لدوافع عدة، منها العادات والتقاليد والأعراف التي كانت سائدة آنذاك، والحاجات البيئية والمناخية لضمان حدّ أدنى من التكييف في الفصول المختلفة بدرجات الحرارة والرطوبة والجفاف، ومنها طبيعة الأسر الكبيرة التي كانت آنذاك تفضل العيش معا من أجيال عدّة ضمن نوع من الهندسة الاجتماعية التكافلية، وغيرها من الأسباب. لكن هل ظلت هذه المبررات أو المتطلبات قائمة في زماننا المعاصر؟

إن المعماري الذي أعتمد، على سبيل المثال، نظام الشرفات المموهة أو الشناشيل، كان يسعى، آنذاك، لتلبية وظيفة معمارية معينة تتلخص في ضمان عدم انكشاف نساء الأسرة (الحريم) على الخارج، لكن في الوقت نفسه يضمن لهنّ رؤية الخارج بطريقة مموهة، بالإضافة إلى ضمان نظام تهوية وإنارة محسوب ويدوي أو آلي لا يحتاج إلى طاقة محركة كالكهرباء. لكن في حياتنا المعاصرة هل بقيت ثمّة وظيفة لمثل تلك الشرفات أو الشناشيل، بعد أن تطورت طبيعة السلوكيات والتواصل المجتمعي؟ وفي المحصلة فإن ما يمكن أن نطلق عليه السرد المعماري أو الوظيفة المعمارية يعدّ عنصرا مهما ومحوريا في التصميم، وكلّما تغيرت الحاجات والمتطلبات، وجب على المصمم المعماري الرضوخ للتكيف وتعديل التصميم من أجل تلبية الوظائف الجديدة المستحدثة للمباني.

بالتأكيد هناك حاجة للاحتفاظ بنوع من الطرز المعمارية القديمة وإدامتها كنماذج لثقافة ونمط حياة مجتمع ما في مرحلة تاريخية لتطلع عليها الأجيال الجديدة وتتخيّل طبيعة الحياة في الماضي، لكن هذا لا يعني تحويل كل ما هو قديم إلى مقدّس، انطلاقا من محكات عاطفية وغير موضوعية كجزء من الارتهان للماضي، من دون القدرة على التكيف وتلبية الحاجات الجديدة للأفراد، أي تغير السرد المعماري ووظائفه.

14