المعمم عازف الفيولين لصوت إيران

الثلاثاء 2016/01/05

منذ الوهلة الأولى حين تم إصدار الحكم بإعدام نمر النمر، علمت أن الحكم سينفذ فيه، رغم أن الكثيرين من إخوتنا الشيعة، كانوا على ثقة تامة بأنه لن يتم إعدام النمر، ولا أعرف سبباً وجيهاً لهذه الثقة العمياء ومن أين جاءت؟ أو حتى كيف جالت الفكرة في أذهان كبار علمائهم ومثقفيهم، إن أردنا أن نبعد البسطاء لكونهم لا يملكون القدرة أو التمييز في ما يتعلق بسياسة المملكة، المشكلة التي يعاني منها الشيعة في الخليج، وأنا أعتبرها مشكلة وخللا واضحا وبيّنا، هي الإعاقة الخيالية والسذاجة القائمة على أن إيران لا تزال إمبراطورية فارسية قائمة، يمكن لها وعبر بوق واحد من الزعيق والاستفزاز الخطابي الإعلامي أن تغزو دول الخليج بل وحتى أن تسحقها.

سذاجة مفعمة بالعواطف الجياشة، وقراءة غير منطقية لما يمكن أن يحدث في الغد، وإيران تفهم جيداً ماذا يريد الشيعة في الخليج، مدركة بأن لديهم شغفا في انتظار بطل ما يخلصهم مما هم فيه، أما ما هم فيه من أسى فهو جزء من عقيدة قديمة قائمة على السردية الفارغة وإغفال العقل، تدعوهم إلى الاتجاه نحو الطرق الجانبية لشعورهم المتكرر دوماً بالاضطهاد، وأنهم مولودون على خط التهميش مهما حصلوا على كل ما يريدونه، أو معظم ما كانوا يطالبون به، ولن تكتمل الصورة البطولية الوهمية لديهم إلا بوجود بطل يهربون إليه، على أن يكون غير عادي من وجهة نظرهم النفسية، فيعمد على خلاصهم مما هم فيه، وهذا أيضاً ما فهمه معظم رجال الدين في مختلف الأديان والمذاهب، وفهمه نمر النمر المتخرج من الحوزة العلمية في قم، وهي الموهبة الخطابية والقدرة على التلاعب بالألفاظ وإثارة المشاعر العاطفية المكبوتة من قبل الجماهير.

للأسف الشديد حظي هذا المعمم الذي يدرس ثلاثة من أبنائه على نفقة الدولة السعودية، ومدرجين ضمن برنامج خادم الشريفين الحرمين للابتعاث في الولايات المتحدة الأميركية على نصيب كبير من الضجة الإعلامية، وتعمدت إيران أن تثير الفوضى والقلاقل حين تم إعدامه يوم السبت الماضي مع 46 إرهابيا غيره، الإعلام الإيراني استطاع بحنكته البارعة عبر ألاعيبه التي نذكرها منذ حربها مع العراق، أن يختزل الإعدام الذي طال السنة والشيعة في المملكة في رجل واحد، فقد كان بالنسبة لهم كعازف الفيولين، والذي يوهم نفسه بأنه المجد المتجسد في كامل الأوركسترا الموسيقية.

تعاملت المملكة مع تهريج إيران وتصريحاتها بنفس القوة التي استخدمتها مع السويد سابقاً إثر اعتراضها على سجن وجلد مدون سعودي، فأكدت في بيان لها بأنها كدولة مستقلة ترفض رفضاً تاماً أي تدخل في شؤونها الداخلية أو نظامها العدلي والقضائي، فكان رد إيران هيا لنستخدم طرقنا القديمة ولنهاجم السفارة، وهي أيضاً إحدى الألعاب التي تجيد استخدامها في محاولة منها لبث الفزع والفوضى، وتاريخ إيران طويل ومعلوم في العبث ورمي الطوب على مبنى السفارات التي تختلف مع دولها وللأسف يفترض أن تكون تحت حمايتها، ولكن أجهزة الأمن تسهم مشكورة في المشاركة مع المتظاهرين في هذا العبث والتسلية عبر إرهاب الموظفين والعاملين في السفارات، ولم أستغرب مما حدث للسفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد يوم الأحد الماضي، فقد كان أمراً متوقعاً من دولة تدين دوماً بقراءة الغافلين، إذ لم يغب عن ذهني أبداً قصة الفيلم الأميركي آرغو، والذي يحكي قصة حقيقية تصور مهمة استخباراتية قام بها الأميركيون في إيران عام 1979 بعد ثورة الخميني على نظام الشاه محمد رضا بهلوي، عرفت باسم آرغو، ونتج عنها إنقاذ ستة من الدبلوماسيين المحتجزين في إيران خلال حصار السفارة الأميركية في طهران الذي نفذه متشددون إيرانيون بين عامي 1979 و1981، هذا الفيلم يلخص العقلية الجاهلية السائدة لسياسة إيران بعد تولي أصحاب العمائم للسلطة، كالجارة التي تختلف مع جاراتها على عدد الكوسا والبندورة في تقديم طبق ما، فتلجأ لأولادها الأشقياء ليأخذوا بثأرها، فتسهل لهم الحصول على الطوب والحصى، لكي يرجموا منازل جاراتها ولا مانع أيضاً من ضرب أطفالهم وفلق رؤوسهم دون رحمة.

نمر النمر أعدم حاله كحال الباقيين من أخوته الإرهابيين من السنة، بسبب تورطه في قضايا تدعم خلايا الإرهاب، رجل فاسد ذهب مع الفاسدين، ولكن جهل إيران وسياستها الفجة يظل يضحكني، فقد قرأت للتو أنها أطلقت اسم “الشهيد نمر” على شارع القنصلية السعودية بمدينة مشهد، وهذا أقصى ما يمكن أن تقوم به كجمهورية لا تفهم سوى البربرية في سلوكها السياسي الخارجي.

كاتبة سعودية

9