المغاربة وحرج التفسير

السبت 2015/09/26

يحمل اهتمام المؤلفين المغاربة بتفسير القرآن الكريم مفارقة قد لا تكون انتبهت إليها كثير من الكتابات، وتكمن في إحجام المؤلفين عن وضع التفاسير الشاملة والكبيرة التي تهم مجمل آيات القرآن. فالنماذج، في هذا الإطار، تبدو نادرة جدا، ومنها “البحر المديد في تفسير القرآن المجيد” لابن عجيبة، وهو مؤلف في ستة مجلدات ضخمة، طبع أكثر من مرة بالقاهرة وبيروت. في مقابل ذلك، كان المغاربة يبدون كما لو أنهم يكتفون بتفسير الآيات القرآنية والسور القصيرة، وعلى رأسها سورتا “الفاتحة” و“الإخلاص”. وتم ذلك أيضا بموازاة مع اهتمامهم بالجوانب الشكلية للقرآن.

ما الذي يجعل المغاربة يحجمون عن الاتجاه إلى التفاسير الكبيرة والشاملة للنص القرآني وهم الذين جعلوه منذ قرون دلالة على استقرارهم الديني والاجتماعي. ثمة أكثر من تأويل للأمر. وفي هذا الإطار كان يفسر الأمر بالحرص على قدسية القرآن، وعلى الحيلولة دون فتح المجال لتفسيره بشكل قد يمس بهذه القدسية. وهناك من ذهب في هذا الإطار إلى الربط بين التفسير وبين ما يقع من أحداث ومصائب، “كخراب المدينة التي يزاول فيها، وقلة المطر أو كثرته”. وقد يكون هذا التصور مبنيا على بعض المصادفات، فابن عجيبة صاحب التفسير المذكور، على سبيل المثال، قد توفي سنة 1809 نتيجة إصابته بالطاعون الذي ضرب البلاد.

كما أنه عاش معاناة رفقة مريديه، دوّنها في سيرته التي حظيت باهتمام غربي خاص، حيث ترجمها إلى الفرنسية جون لويس ميشون وصدرت بهولندا، سنة 1969، كما نقلها دافييد سترايت إلى الإنكليزية وصدرت بالولايات المتحدة الأميركية. بالطبع، فهذا الربط تحيط به كثير من الخرافات، إذ يبدو أن البلاد كانت على موعد، بشكل منتظم، مع أكثر من كارثة كل عشر سنوات، سواء تعلق الأمر بالأمراض أو الأوبئة أو المجاعات أو الزلازل. كما ذهب إلى ذلك برنار روزنبرجي وحميد التريكي في كتابهما “المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين 16 و17”.

يبدو أن المفارقة المذكورة تعود أساسا إلى ارتباط لجوء المغاربة إلى تفسير الآيات الصغيرة باعتمادهم القرآن على مستوى تدبير مختلف مجالات حياتهم اليومية. وهو الأمر الذي يفسره العدد الكبير من التآليف التي تقوم على الاستناد إلى الآيات القرآنية. ومن ذلك تآليف الفتاوى والنوازل.

بالطبع، كان الإنتاج في هذه المجالات يحضر خصوصا، كلما ظهرت عادات اجتماعية جديدة، كانتشار التدخين والخمر، وظواهر سياسية، كظاهرة المحميين، أو تقنيات جديدة. الأمثلة كثيرة في الإطار، أذكر منها فقط “توليف في جواز العمل في الصوم والإفطار بالتلغراف” لمحمد الطاهري، ومؤلف سليمان الحوات المسمى “تغيير المنكر في من زعم حرمة السكر”. بفتح الكاف مع الضمة، طبعا.

كاتب من المغرب

17