المغاربة وعلم الكلام

السبت 2016/03/05

شكلت محدودية الإنتاج في مجالات علم الكلام والمنطق والفلسفة علامة طبعت لحظات طويلة من مسارات بنية التأليف بالمغرب، حيث لم يتجاوز عدد عناوينها، التي يحصرها، على سبيل المثال، مرجع بيبليوغرافي هام يغطي سبعة قرون من التأليف بالمغرب، وهو “معجم طبقات المؤلفين” للمؤرخ المغربي عبدالرحمان بن زيدان، الخمسين عنوانا.

وارتبط هذا الوضع بمكونات السياق الديني السائد الذي كان يبحث باستمرار عن توحده المذهبي أساسا. وهو وضع تكرس مع طبيعة برامج التعليم، خصوصا بجامعة القرويين، التي اتسمت بغياب مكونات المنطق وعلم الكلام والفلسفة، باستثناء حالات نادرة، ارتبطت، على نحو خاص، بتدريس كتابي “السلم المرونق” لعبدالرحمان الأخضري “ومختصر” محمد بن يوسف السنوسي. كما طبع الغياب نفسه طبيعة توزع الكراسي العلمية التي خصص أغلبها للعلوم الدينية، سواء بالقرويين أو بفروعها، أو بمختلف المراكز التعليمية بمدن كمكناس وسلا والرباط ومراكش وغيرها.

وشكل إسهام الطباعة الحجرية المحدود امتدادا لهذا الغياب، حيث تأجل طبع أول كتاب مغربي في المنطق، وهو “الزواهر الأفقية في شرح الجواهر المنطقية” لأحمد بن عبدالعزيز الهلالي، إلى نهاية القرن التاسع عشر، وذلك بالضبط ثلاثين سنة بعد دخول هذه التكنولوجيا. بينما لم ينشر أول كتاب في الفلسفة إلا في منتصف القرن الماضي، وهو مؤلف “الفلسفة والأخلاق عند ابن الخطيب” لعبدالعزيز بن عبدالله. فيما انحصر حضور الفلسفة، خارج ذلك، في أبواب متناثرة في مؤلفات مغربية محدودة، ومنها على سبيل المثال، أرجوزة “الأقنوم في مبادئ العلوم” لعبدالرحمان بن عبدالقادر الفاسي، والتي تضم 170 بيتا في علم الفلسفة، من ضمن الآلاف من الأبيات المكتوبة في عدد من العلوم الشرعية والعقلية والأدبية.

واتسم الإنتاج في مجال المنطق وعلم الكلام بعلامة أساسية، تكمن في سيادة المصنفات الواصفة، المتجلية في الشروح والحواشي والطرر والتعاليق، التي شمل أغلبها نصين أساسين، وهما “السلم المرونق” لعبدالرحمان الأخضري، ومختصر السنوسي. وشكل ذلك امتدادا للتمثل التقليدي الذي حرص على وضع حدود لاهتمامات هذا المجال، بشكل جعل منه، كما وصفه المختار السنوسي، ملازما للعقائد ولتصحيحها.

يبقى أن فهم وضع التأليف في مجال المنطق وعلم الكلام والفلسفة يمكن أن يضيئه أمر دال يكمن في ما جاء ضمن منشور السلطان محمد بن عبدالله، الصادر في نهاية القرن الثامن عشر، والموجه إلى المدرسين بجامعة القرويين، حيث يرد في فصله الثالث “ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة فليتعاط ذلك في داره مع أصحابه الذين لا يدرون بأنهم لا يدرون، ومن تعاطى ما ذكرنا في المساجد ونالته عقوبة فلا يلومنّ إلا نفسه. وهؤلاء الطلبة الذين يتعاطون العلوم التي نهينا عن قراءتها ما مرادهم بتعاطيها إلا الظهور والرياء والسمعة، وأن يضللوا طلبةَ البادية”.

كاتب من المغرب

17