المغاربة يستبدلون الفرنسية بالإنجليزية في الثقافة والتعليم

الثقافة الأنجلوساكسونية واللغة الإنجليزية تعدان رافدا هاما من روافد الحضارة الإنسانية ومستقبلا واعدا على المستوى الكوني.
السبت 2021/05/08
الإنجليزية تتوسع يوما بعد آخر في المغرب

بعد عقود من هيمنة اللغة الفرنسية على المستويين الثقافي والتعليمي في البلدان المغاربية تتراجع هذه اللغة لصالح نظيرتها الإنجليزية التي تشهد انتشارا واسعا من المرجح أن يتضاعف وقد يحتل مكانة الفرنسية كلغة ثانية، نظرا إلى حيوية الإنجليزية وتوسع نفوذها وعمق تأثيرها ثقافيا وعلميا واقتصاديا واجتماعيا وغيرها من المجالات، وهذا ما تؤكده دراسة قام بها المجلس الثقافي البريطاني في المغرب.

أظهرت دراسة حديثة أن أكثر من ثلثي الشباب المغاربة على اقتناع تام بأن اللغة الإنجليزية ستنجح خلال السنوات الخمس القادمة في أخذ مكان اللغة الفرنسية بوصفها اللغة الأجنبية الأولى في المغرب، في وقت اعتبر 74 في المئة من المستجوبين أن الانتقال إلى اللغة الإنجليزية سيفيد طموحات المغرب ثقافيا وسياحيا واقتصاديا.

وقد كشفت نتائج دراسة استقصائية مستقلة بعنوان “Shift to English in Morocco”، قام بها المجلس الثقافي البريطاني، شملت 1200 شاب مغربي تتراوح أعمارهم ما بين 15 و25 سنة، أن أغلبية المشاركين يعتبرون اللغة الإنجليزية بالغة الأهمية بالنسبة إلى مستقبلهم ومستقبل المغرب.

وبحسب المصدر ذاته فإن 85 في المئة يتوقعون أن يشهد عدد المغاربة الذين يستخدمون اللغة الإنجليزية ارتفاعا متزايدا خلال السنوات العشر القادمة، كما قدم 82 في المئة رأيا إيجابيا بشأن الإنجليزية كلغة أجنبية.

تراجع الفرنسية

عطاءالله الأزمي: الإنجليزية من بين لغات الثقافة والعلم والاقتصاد السائدة دوليا

أبرز مدير المجلس الثقافي البريطاني بالمغرب توني رايلي، أن “المغرب يتمتع بثقافة وتاريخ غني ومتنوع ومتعدد اللغات، وهذه الأمور ستظل راسخة ولن تتغير مع مرور الوقت، ويمثل تعدد اللغات الذي يتزايد في العالم يوما تلو الآخر ميزة كبيرة جدا”.

وأضاف رايلي “الدراسة التي قمنا بإنجازها تمثل اعترافا واضحا من قبل الجيل الجديد من المغاربة، بتزايد أهمية الإنجليزية كلغة دولية. وسيواصل المجلس الثقافي البريطاني دعم وزارة التعليم في جهودها الرامية إلى تعميم تعليم اللغة الإنجليزية في المغرب، وكذلك إتاحة الفرص للشباب لتعلم اللغة الإنجليزية من خلال برامج التعليم المباشر والإلكتروني على حد سواء”.

ويعتبر عطاءالله الأزمي أستاذ التعليم العالي والكاتب العام للائتلاف الوطني لترشيد الحقل اللغوي في تصريح لـ”العرب” أن الدراسة الاستقصائية المستقلة التي قام بها المجلس الثقافي البريطاني على عينة من 1200 شاب مغربي، قد قدمت نتائج لافتة تؤكد أن الثقافة الأنجلوساكسونية واللغة الإنجليزية تعدان رافدا هاما من روافد الحضارة الإنسانية، ومستقبلا واعدا على المستوى الكوني، لغويا وتواصليا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

وحسب رأي الباحثين في المجلس الثقافي البريطاني بالمغرب فإن “اللغة الإنجليزية تحظى مع مرور الوقت بالمزيد من التقدير، والشباب يدركون قيمتها وأهميتها في العالم الراهن، حيث أكد 40 في المئة من المستجوبين الذين شملتهم الدراسة أنهم يفضلون تعلم اللغة الإنجليزية، مقابل 10 في المئة فقط اختاروا الفرنسية، في حين رأى 65 في المئة مقابل 62 في المائة أن اللغة الإنجليزية أكثر أهمية من اللغة العربية.

كما أن الشباب يوصون الآخرين بتعلم اللغة الإنجليزية بدلا من اللغة العربية أو الفرنسية، علاوة على أنهم ينظرون إليها بصفتها لغة دولية ويمكن الاعتماد عليها في كل ما يخص العلوم والأعمال والإنترنت، وعلى أنها لغة المستقبل أيضا.

وعلى ضوء الدراسة الاستقصائية يؤكد عطاءالله، أن العديد من الشُّعَب والتخصصات الدراسية والوظائف والأعمال أضحت تلزم الإلمام باللغة الإنجليزية، بل إن بعض المعاهد والجامعات، الخصوصية وشبه العمومية، تبنت اللغة الإنجليزية لغة للدراسة والتكوين والعلم، وإن بعض المواد، تمثيلا لا حصرا، لا تدرس إلا بالإنجليزية، ولو ضمن برنامج دراسي عام بالفرنسية: Anglais médical في دراسة الطب.

ويرى عطاءالله الأزمي، أن اعتبار أولئك الشباب المغاربة اللغة الإنجليزية بالغة الأهمية بالنسبة إلى مستقبلهم ومستقبل المغرب هو مؤشر على تراجع الفرانكوفونية في المجال الثقافي بالمغرب وغيره من الدول المغاربية، حيث إن دراسات سابقة أجريت على الآباء والأمهات وأولياء الأمور بالمغرب وبدول مغاربية، جاءت نتائجها مطابقة لهذا التوجه، أي أن أغلبية العينة المستجوبة أكدت على اختيارها الإنجليزية لغة ثانية بالنسبة إلى أبنائها بالمدارس عوض اللغة الفرنسية حاليا، وحتى بالنسبة إلى الدراسات العليا والجامعية.

وتهيمن اللغة الانجليزية على خطوط التواصل الدولي من الإنترنت إلى ميادين العلاقات الدولية والعلوم الطبيعية والطب والهندسة، إلى جانب تفوقها كأداة تواصل في المؤتمرات العلمية الدولية والندوات والاجتماعات والحلقات الدراسية. وعلى المستوى المغربي، فاللغة العربية لغة للتعليم الأساسية، فيما تتخذ الفرنسية دور اللغة الثانية والأولى في تعليم العلوم والتقنيات في التعليم العالي، لكن اللغة الإنجليزية بدأت تتطور كلغة أجنبية ذات مستقبل مفتوح.

85 في المئة يتوقعون أن يشهد عدد المغاربة الذين يستخدمون اللغة الإنجليزية ارتفاعا متزايدا خلال السنوات العشر القادمة

ويؤيد الشباب المغاربة بشدة استبدال اللغة الفرنسية بالإنجليزية، ويرون أن هذا الأمر من شأنه أن يكون مفيدا لهم على المستوى الشخصي، ولوطنهم على حد سواء، ويتوقع 85 في المئة أن يرتفع عدد الشباب المغاربة الذين يتحدثون الإنجليزية خلال السنوات العشر القادمة، مقابل 57 في المئة يتوقعون أن تكون الزيادة مهمة جدا، مقارنة بنسبة 23 في المئة فقط صوتوا لصالح اللغة الفرنسية.

وهذا تقريبا ما ذهب إليه سعيد أمزازي وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي بتأكيده على أن الانجليزية ستأخذ في المغرب حيزا أهم من الذي تحتله اللغة الفرنسية وأن هذا الاختيار أصبح محسوماً، وسوف يتم تنزيله على مدى عشر سنوات.

وحول مستقبل اللغة الإنجليزية في المغرب، يؤكد الباحث المغربي المامون حساين، عضو المكتب التنفيذي للمركز المغربي للشباب والتحولات الديمقراطية، على أن اللغة الفرنسية هي العائق الذي وضعه المستعمر الفرنسي على أبواب الانفتاح في المغرب، موضحا أنه إذا كانت فرنسا تعاني لغويا، فمن الطبيعي أن تفكر مستعمراتها القديمة في تدارك الفجوة المعرفية، باختزال المسافة من خلال خيار لغتي المجتمع، لغة التواصل المرتبطة بالهوية، ولغة المعرفة المعتمدة في التدريس والبحث العلمي، وهي التجربة التي تبنتها بنجاح الدّول الأسكندنافية.

ويشدد المامون حساين، الذي يشغل أيضا خطة مؤطر داخل المجلس الثقافي البريطاني، في تصريح لـ”العرب”، على أن اللوبي الفرنسي القوي في المغرب يشعل بين الفينة والأخرى حربا ضد التوجه نحو الإنجليزية، مما يؤكد ضرورة التوفر على الإرادة السياسية والنخبوية للقيام بهذا التحول، وعدم التعامل مع الأمر بمنطق عاطفي أو أيديولوجي، ولكن برؤية منهجية براغماتية، أساسها خيار واقعي ومنطقي، بعيدا عن كل الحسابات السياسية، لأنها لغة العلوم والتكنولوجيا والبحث، بينما الفرنسية هي أحد أسباب تدهور التعليم في المغرب.

والملاحظ، حسب المجلس، أن المغاربة الذين يتحدثون الإنجليزية بطلاقة يكونون إما شبابا أو ممن تابعوا تعليمهم العالي، وفي الوقت الذي تحظى فيه اللغة الإنجليزية بشعبية واسعة بين جميع الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، فإن الذين يكتسبون معرفة أفضل باللغة الإنجليزية هم أصغر سنا وأفضل تعليما وأكثر دخلا.

لغة العصر

المامون حساين: الفرنسية عائق وضعه المستعمر على أبواب الانفتاح في المغرب

يعتقد 83 في المئة من الشباب الذين شملهم الاستقصاء أن اللغة الإنجليزية ستمنحهم فرصة الحصول على تعليم ذي جودة أفضل يكون معترفا به دوليا، بالإضافة إلى تعزيز السياحة الدولية في المغرب، وأيضا مساعدتهم أكثر في العثور على عمل أو الدراسة خارج أرض الوطن.

ويستعمل الشباب المغاربة اللغة الإنجليزية في كل ما يخص عالم الإنترنت ووسائل الإعلام، وسمحت الأزمة الصحية المرتبطة بتفشي فايروس كورونا المستجد بالانفتاح أكثر على تعلم اللغة الإنجليزية، وأضحى الشباب المغاربة متعطشين لمعرفة الأخبار بهذه اللغة.

وسمحت الأزمة الصحية للشباب المغاربة بتحسين لغتهم الإنجليزية من خلال التفاعلات الاجتماعية على الإنترنت والأفلام والمنابر التعليمية، ويعد إنستغرام ويوتوب وتويتر ونتفليكس من بين الوسائط الأكثر جماهيرية التي تحظى بمتابعات كبيرة.

وإلى جانب ما سبق، فإن نسبة 79 في المئة من الشباب المغاربة أكدوا أنه في حالة ما إذا أصبحت اللغة الإنجليزية اللغة الرئيسية الثانية للمغرب، فإنها ستدعم أكثر طموحات البلد في ضمان انفتاح ثقافي أوسع وأن يصبح مركزا للأعمال التجارية الدولية وبوابة إلى إفريقيا.

ويعتقد حساين في حديثه لـ”العرب” أننا نعيش عالما معاصرا لا يعترف في مجال التواصل إلا باللغة الانجليزية، وللأسف الفرنسية ليست مجرد لغة في المغرب، بل إن تواجدها المفروض بالإكراه وخارج القانون وضدا على قرارات السيادة، في جميع مجالات الحياة، هو شكل من أشكال الاستعمار الثقافي، وجب على الحكومة إنهاؤه وفقا للدستور وللقانون الدولي الذي يمنع استمرار مظاهر الاستعمار، وما على المشكك في هذا الوصف إلا النظر بعين المتأمل إلى خارطة المناطق التي خضعت للاستعمارين الفرنسي والإنجليزي.

ويوضح حساين، فكرته لـ”العرب” قائلا “البلدان التي استقلت عن بريطانيا واحتفظت بالإنجليزية لغة ثانية، لا تعاني نفس الوضع الكارثي الذي تعانيه البلدان التي استقلت عن فرنسا واحتفظت بلغتها، من حيث الهيمنة اللغوية، وهي البلدان التي أطلقت عليها فرنسا وصفا تحقيريا وهو ‘البلدان الفرنكفونية’، وخلص، إلى أن اللغة الفرنسية هي القفل الذي يمنع المغاربة من الانفتاح على العالم، لذلك فلا مناص من إلغاء هذه اللغة الميتة وتبني الإنجليزية كلغة أجنبية للتعامل مع الخارج، واللحاق بلغة المعرفة والعلم”.

ويرى الأزمي، أن نسبة ما ينشر علميا عبر العالم، سواء في الكتب والمجلات العلمية المحكمة، والدراسات المرقمة والمعترف بها دوليا أغلبه باللغة الإنجليزية، بل إن الباحثين والعلماء والأطباء الفرنسيين يقدمون مداخلاتهم وعروضهم العلمية في المؤتمرات والملتقيات الدولية بالإنجليزية وليس بالفرنسية، ويتمظهر هذا التوجه حتى على المستوى الاقتصادي والخدماتي مثلا، فقد أصبحنا نلحظ – منذ مدة – ظاهرة الكتابات باللغة الإنجليزية على العديد من المحلات التجارية الكبرى والصغرى والمطاعم والمقاهي والمكتبات والمؤسسات التعليمية الخصوصية… وغيرها أمام تراجع ملحوظ لما كان يكتب باللغة الفرنسية.

 كما أن الشباب يوصون أقرانهم بتعلم اللغة الإنجليزية بدلا من اللغة العربية أو الفرنسية، علاوة على أنهم ينظرون إليها بصفتها لغة دولية ويمكن الاعتماد عليها في كل ما يخص العلوم والأعمال والإنترنت، وعلى أنها لغة المستقبل أيضا.

الأزمة الصحية المرتبطة بتفشي فايروس كورونا سمحت بالانفتاح أكثر على تعلم اللغة الإنجليزية، وأضحى الشباب المغاربة متعطشين لمعرفة الأخبار بهذه اللغة

ومع ذلك، تظل اللغة السائدة حسب الشباب المغاربة هي العربية التي يتحدث بها ويفهمها 69 في المئة من الشباب الذين شملتهم الدراسة، في المقابل تصل نسبة الشباب الذين يفهمون اللغة الفرنسية والإنجليزية إلى 34 في المئة و30 في المئة على التوالي، في الوقت الذي بدأت فيه الإنجليزية تحظى بشعبية تتزايد يوما بعد يوم.

واستنادا إلى معطيات الدراسة المذكورة، فإن 65 في المئة من المستجوبين ذهبوا إلى أن اللغة الإنجليزية ذات أهمية بالغة ولا يستهان بها، في حين أن 62 في المئة يعتقدون أن العربية مهمة أيضا، مقابل 47 في المئة فقط قالوا إن اللغة الفرنسية لغة هامة.

ويعتبر الأزمي أن هذه النتائج تعكس توجها متناميا وسائدا في المجتمع المغربي، يتساوق مع توجه دستور المملكة لسنة 2011، والداعي إلى الانفتاح على اللغات الأكثر تداولا عالميا، وتعد الإنجليزية أهمها وأبرزها، ولا يمكن لذي عقل وبصيرة أن يشك لحظة واحدة في كون اللغة الإنجليزية من بين لغات الثقافة والعلم والاقتصاد والمال والأعمال والاختراعات السائدة دوليا وكونيا، مما يؤهلها لتكون إلى جانب اللغة العربية من اللغات الرائدة في العشريتين القادمتين.

13