المغاربة يصوتون في منافسة قوامها الاستجابة لمطالبهم

المواطنة التشاركية مفهوم أصبح اليوم معيارا في اختيار الأحزاب التي سوف تمثل المواطن في البرلمان. فمشاركة المواطن بشكل مباشر في عملية البناء والإصلاح وخدمة مصالحه تعد البوابة الرئيسية اليوم في الحفاظ على الاستقرار والسلم المجتمعي في جغرافيا عربية تتميز بالتنوع والثراء والهشاشة أيضا؛ وفي الانتخابات البرلمانية التي يعيش على وقعها المغرب اليوم تأكيد على كيفية احتواء أزمة الحداثة السياسية وتحويل المواطن من مشاهد سلبي إلى فاعل في البناء.
الجمعة 2016/10/07
المغاربة محبطون من البرامج الانتخابية لكن سيصوتون

الرباط – يتوجه، الجمعة، حوالي 16 مليون مغربي مسجلين في اللوائح الانتخابية إلى مراكز الاقتراع للتصويت لاختيار ممثليهم في البرلمان. ومن بين الثلاثين حزبا المشاركة في الانتخابات البرلمانية، تنحصر المنافسة على المراتب الأولى في عدد المصوّتين بين ثلاثة أحزاب رئيسية، استطاعت أن ترشح لوائحها بجميع الدوائر المحلية الـ92، أي بنسبة 100 بالمئة، هي حزب العدالة والتنمية، الذي فاز في انتخابات 2011 ويقود الائتلاف الحكومي الحالي، وحزب الأصالة والمعاصرة، الذي قال إن هدفه الرئيسي في الانتخابات تحجيم دور الإسلاميين في الحكومة المقبلة، وحزب الاستقلال، الذي كان جزءا من الأغلبية الحكومية في الفترة الممتدة ما بين 2012 و2013، قبل أن يقرر الخروج ويتحول إلى صف المعارضة.

وعكست الحملة الانتخابية حجم الاستقطاب والتنافس بين هذه الأحزاب الثلاثة، بشكل رئيسي، وأيضا بين الأحزاب الأخرى، والتي ولئن لا تطمح للفوز بالمرتبة الأولى، إلا أنها تنافس من أجل مقاعد البرلمان وبما يسمح لها بأن تكون على قائمة التحالفات التي ستتشكّل بعد الانتخابات في سياق تكوين الحكومة؛ فالنظام المغربي لا يسمح بفوز أي حزب بالأغلبية المطلقة للأصوات، ما يضطر الحزب الفائز بالمرتبة الأولى إلى البحث عن حلفاء.

وأوضح حفيظ الزهري، الباحث في العلوم السياسية لـ”العرب”، أن “استحضار ظروف الاحتقان والتجييش الجماهيري الذي عرفته الحملة الانتخابية الحالية هو مؤشر يؤدي إلى مشاركة واسعة للفئة الناخبة، مما سيرفع من نسبة المشاركة التي قد تفوق الخمسين في المئة خصوصا بعد نجاح حزب العدالة والتنمية في استقطاب القاعدة السلفية لتعويض مساندتها السابقة العدل والإحسان التي قاطعت الانتخابات”.

الانتخابات تأكيد جديد على المسار الإصلاحي الذي اختار أن يسير فيه المغرب وفق ما يتناسب مع طبيعته وخصوصيته

واستطاعت بعض الأحزاب المغربية عبر خطاباتها استهداف الفئات الرافضة للمشاركة كاليساريين الراديكاليين، كما ستكون للمرأة المغربية، التي ترى أنها تضررت بسبب خطاب الإسلاميين، مشاركة هامة إلى جانب الشباب الذي يدعم بقوة برامج الإصلاح والدعم بما يضمن له توفير الوظائف بالأساس، مما يجعل انتخابات 7 أكتوبر تكتسي حالة استثنائية وسط توقعات بأن تفوق نسب المشاركة في انتخابات سابقة لتصل إلى ما بين 50 و53 في المئة. وعلى امتداد الحملة الانتخابية ساد انطباع عام بأنه لن يتم إقصاء أي طرف، فيما تشير التوقعات إلى أن المنافسة على المراتب الثلاث الأولى لن تخرج عن هذه الأحزاب، مرجحة تقليص نسبة التصويت لصالح الإسلاميين، على عكس الانتخابات السابقة.

ويتوقع، عمر الشرقاوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة المحمدية، أن يحصل حزبا العدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة على نصف عدد مقاعد مجلس النواب (الغرفة الأولى بالبرلمان) الـ395، وأن الفرق بينهما لن يكون كبيرا؛ فيما ستكون المرتبة الثالثة لحزب الاستقلال.

تأكيد جديد على المسار الإصلاحي

كانت الانتخابات المحلية والجهوية السابقة سجلت ارتفاعا ملحوظا في مستوى إقبال المغاربة على التصويت، بنسبة 53.67 في المئة، ما يؤكد نجاح دعوات الملك محمد السادس بدرجة أولى في مختلف خطاباته الأخيرة المواطن المغربي إلى أن يكون هو الفاعل والمؤثر والقائد الأول لكل ما يتعلق بمشاغله، عبر التصويت والمشاركة في الانتخابات بمختلف قطاعاتها.

ويؤكد هذا الارتفاع أيضا أن الإصلاحات أوتيت أكلها، وأن المواطنين أصبحوا على درجة كبرى من الوعي لمحاسبة المقصرين ممن انتخبوهم في السابق ليكونوا صوتا لهم في الحكومة والبرلمان ومختلف المؤسسات.

وصرح رضا الهمادي، رئيس المرصد المغربي للسياسات العمومية، لـ”العرب” بأنه “من الصعب التكهن بنسبة المشاركة المتوقعة لانتخابات السابع من أكتوبر، ولكن أهم ما يساهم في رفع المشاركة في الانتخابات المقبلة هو حرارة التنافس الانتخابي بتسجيل حوالي نصف مليون مواطن مغربي جديد في اللوائح الانتخابية في 2016″.

ويضيف رضا الهمادي أن “الطبقة الوسطى التي لم تكن معنية بالانتخابات ستشارك في التصويت ضد العدالة والتنمية لمعاقبته على البعض من القرارات التي مست مصالحها”. وعبر مواطنون مغاربة لـ”العرب” عن آمالهم في انتخابات 7 أكتوبر، مؤكدين رغبتهم في ممارسة حقهم الانتخابي.

ومن بين المتحدّثين وفاء الإدريسي، التي ترى أن “المشاركة في الانتخابات هي الحل الصحيح لتغيير وضع المجتمع”.

وتبقى الانتظارات من الانتخابات البرلمانية محدودة، بحسب بيار فيرمورن، المؤرخ المتخصص في المنطقة المغاربية المعاصرة والأستاذ في جامعة باريس الأولى “بونثيون-سوربون”، الذي قال في حوار مع وكالة فرانس برس، في سياق تغطية الانتخابات المغربية، التي تحظى بمتابعة دولية لافتة، “إن الطبقة السياسية المحترفة في المغرب مستقرة ومساراتها ووظائفها السياسية مستمرة منذ عقود. هناك فقط اختلاف وتغيير في المسؤوليات والمناصب الموكولة لمكونات هذه الطبقة السياسية”.

واليوم سنشهد إن كان حزب العدالة والتنمية الإسلامي ما زال في الصدارة كما يأمل مسؤولوه، وبالتالي يتعزز موقعه أكثر، أم أن حزب الأصالة والمعاصرة سيتمكن من قلب المعادلة. وقد أطلقت من أجل اقتراع اليوم حملة إعلانية ضخمة استعملت فيها جميع الوسائل المباشرة وغير المباشرة.

أصبحت الانتخابات المحلية في البلدان العربية التي نظمت انتخابات أو بصدد تنظيمها في الفترة بين خريف 2015 وخريف 2016 على غرار المغرب أداة جديدة يمكن للمواطنين من خلالها التعبير عن مشاغلهم المتعلقة بالحوكمة الرشيدة، وفق ما جاء في دراسة للباحثة الأميركية، كاترين كلافيلاند، حملت عنوان “الانتخابات المحلية في العالم العربي بعد الربيع”، واهتمت إلى جانب المغرب بالانتخابات في المملكة العربية السعودية ولبنان وفلسطين.

ترى الباحثة أن الانتخابات التي تجرى اليوم في المغرب، هي تأكيد جديد على المسار الإصلاحي الذي اختار أن يسير فيه المغرب، وفق ما يتناسب مع طبيعته وخصوصيته، وبما يضمن استقراره، في وقت كانت فيه كرة لهيب الربيع العربي تتدحرج من دولة عربية إلى أخرى بحثا عن فرص لتكبر أكثر وأكثر.

الانتخابات البرلمانية تشكل فرصة إضافية لسكان الأقاليم الجنوبية لممارسة حقهم في المواطنة

ومن جملة الإصلاحات الديمقراطية التي أطلقها العاهل المغربي الملك محمد السادس سنة 2001، تلك التي تخص الانتخابات المحلية عندما حصل المواطنون على فرصة التصويت بشكل مباشر لاختيار زعمائهم المحليين والجهويين للمرة الأولى، وفق كاترين كلافيلاند، التي تضيف، في دراستها المنشورة في مجلة شؤون خارجية، أن أول انتخابات بعد إصلاحات 2011، وهي الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر 2011، اختبرت ديمومة التغيير السياسي الأكثر ديمقراطية في البلاد ما بعد الربيع، وبرهنت أن الحكم الرشيد أولوية أثناء الانتخابات؛ ليقدم المغرب، وفق الباحثة الأميركية، مثالا عن إمكانية معالجة المسائل المتعلقة بالحوكمة عن طريق تحرير الحياة السياسية المحلية، وتشاركه في هذه التجربة السعودية من خلال الانتخابات البلدية التي جرت في 12 ديسمبر 2015، وكشفت عن خطوات سعودية جدية في سياق الإصلاح الانتخابي.

تراجع نقدي

كان على حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية السابقة التنافس مع 11 حزبا لكنه تمكن من تأمين أغلبية صغيرة بالحصول على ربع مجموع الأصوات وتحول، لأول مرة، من حزب معارض إلى حزب حاكم.

لكن، ونظرا لاختلاف الإطار الذي نجح في سياق حزب العدالة والتنمية في قلب المعادلة التي سار عليها المشهد السياسي المغربي لسنوات طويلة، يتوقع أن لا يحقق الحزب الإسلامي نفس النجاح الذي حققه سنة 2011، أو حتى في الانتخابات البلدية سنة 2015؛ فالحزب الذي شدّد مرارا على محاربة الفساد، لم ينجز الكثير من وعوده في هذا السياق. وهذا ما يدفع إلى وضع الأحزاب الإسلامية في سياق الرؤية الجديدة لتفاصيل عيش المواطن في جزء من عالم يتغير بشكل سريع كل يوم.

لا يمكن إنكار أن الإسلاميين في العديد من الدول العربية تمكنوا من الصعود بشكل ملفت بعد أحداث الربيع العربي، وهو صعود يعود في جزء منه إلى قوة الخطاب الأيديولوجي الذي اكستح المجال العام، مستغلا قلة الخبرة لدى المواطن في التعامل مع الحريات السياسية.

لكن، بعد حزمة الإصلاحات الدستورية التي مكنت المغرب من الحفاظ على الاستقرار الداخلي والسلم المجتمعي والتشريك الأقصى للمواطن في كل أوجه الحياة العامة (متبوعة بطفرة اقتصادية ملفتة وفلسفة دبلوماسية جديدة أيضا)، أصبح أمر الإسلاميين مكشوفا بشكل نسبي وبان عجزهم عن التقدم ببرامج عملية تخرج المغاربة من أزماتهم اليومية والمباشرة، وعلا صوت المعارضة، أحزابا ومواطنين، للمطالبة لا بإسقاط النظام بل بالإصلاح؛ وهذا يدل على أن عهدا جديدا من العقد بين المواطن والدولة قد بدأ في البروز بعيدا عن الخطابات التي يمكن أن تبقي العلاقة التعاقدية المدنية بين الفرد والمؤسسة في مراحل متخلفة من الزمن.

لذلك، يرى المراقبون أن حالة الاستقرار والتطور التي يعرفها المغرب ستتواصل بغض النظر عما تفرزه الاستحقاقات الانتخابية، ومردّ ذلك، وفق جواد الكردودي، رئيس المعهد المغربي للعلاقات الدولية، إجماع كافة أفراد الشعب المغربي حول المؤسسة الملكية.

وتمثل المؤسسة الملكية المغربية الضامن لوحدة الدولة والمجتمع، لما يمثله موقعها المتعالي عن الأحزاب والمنتمي إلى كامل التراب المغربي من قوة قادرة على تسيير الحياة العامة وبناء منظومة سياسية تعددية وتنافسية ولكنها خاضعة لقوة الحفاظ على الوحدة والتماسك المجتمعي والأهلي للمغاربة، وهذا يمثل نقطة قوة للمغرب.

المواطنة التشاركية

أصبحت المواطنة التشاركية مفتاح الاستقرار داخل المنطقة العربية التي تتسم بهشاشة بنيتها وسرعة تأثرها بالخطاب العاطفي. وهو الأمر الذي يفرض القيام بإصلاحات جذرية على مستوى القوانين التي تنظم الحياة السياسية في الدول وترجح الكفة إلى العلاقة المباشرة بين المواطن والمؤسسة الوطنية الأقرب إليه وهي المؤسسة المحلية، وهذا ما سعى إليه المغرب وتجسّد في تأكيد العاهل المغربي على ضرورة تمثيل الأقاليم الجنوبية والجهات الداخلية في الانتخابات، ناخبين ومنتخبين.

وقد كتب مايكل روبين، العضو البارز بمركز التفكير الأميركي (أميركن أنتربرايز إنستيتيوت)، أن الانتخابات البرلمانية، التي تجرى اليوم في المغرب، تشكل “فرصة إضافية لسكان الأقاليم الجنوبية لممارسة حقهم في المواطنة، في إطار منفتح وشفاف، للتقرير بشأن مستقبلهم الشخصي”.

ونقلت وكالة المغربي العربي للأنباء عن روبين، وهو مسؤول سابق بوزارة الدفاع ومتخصص في شؤون العالم العربي، إنه “عندما يتوجه المواطنون الصحراويون إلى صناديق الاقتراع، ستكون لديهم فرصة للتقرير بشأن مستقبلهم في إطار من المساواة”.

وإذا كانت الاستحقاقات البرلمانية الراهنة تعبر في شكلها وجوهرها عن نقلة نوعية تشهدها الساحة السياسية بالمملكة المغربية، وتبرز تطلع المغاربة إلى تعزيز الديمقراطية والتنمية وبناء دولة الحق والقانون وتكريس دولة المؤسسات، فإن هذه الاستحقاقات تشكل بالنسبة إلى سكان الأقاليم الجنوبية محطة تاريخية وموعدا جديدا لتجسيد إرادتهم القوية للمساهمة في إنجاح كافة الاستحقاقات الوطنية والتشبث بالوحدة الوطنية.

ومما لا يدع مجالا للشك هو الحماس المتزايد الذي يعبر عنه أبناء الأقاليم الجنوبية في جميع المحطات الانتخابية البرلمانية والجماعية والدستورية؛ فالأقاليم الجنوبية، وفق تقرير لوكالة المغربي العربي للأنباء، تعرف دائما بتسجيل أعلى نسبة مشاركة في مختلف الاستحقاقات والمحطات الانتخابية المحلية والوطنية (أزيد من 82 في المئة خلال الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة).

ظروف الاحتقان والتجييش الجماهيري الذي عرفته الحملة الانتخابية الحالية مؤشر على مشاركة واسعة للفئة الناخبة

ويتوزع المترشحون، حسب الدوائر الانتخابية بهذه الجهة، إلى 57 مترشحا بدائرة العيون، و24 مترشحا بدائرة السمارة، و22 مترشحا بالدائرة الانتخابية لطرفاية، و18 مترشحا بدائرة بوجدور. ويمثل هؤلاء المرشحون مختلف الأحزاب المشاركة في الانتخابات.

وأكد عبدالفتاح الفاتحي، الخبير الاستراتيجي في قضايا الصحراء والشؤون الأفريقية، لـ”العرب”، أن نجاح المغرب في الانتقال بالأقاليم الجنوبية من القبلية إلى الدولة المدنية يتجسد اليوم واقعا بالانخراط الفعلي في الأحزاب السياسية الوطنية والاشتغال طبقا لقوانينها الداخلية وأيديولوجياتها، حيث كل الأحزاب المغربية الوطنية يمكن أن تكون ممثلة في توافق تام مع توجهات هذه الأحزاب في التشكيل الحكومي.

وهناك من المراقبين من يقول إن نسبة المشاركة العالية ترتبط أساسا بنزوع قبلي، حيث أن المرشح يكون شخصية مؤثرة في القبيلة، ورغم تغيير اللون السياسي لأعيان الصحراء يبقى التصويت على الشخص وليس الحزب، لكن الفاتحي أشار إلى أنه تم اليوم تسجيل انتماءات تاريخية إلى أحزاب سياسية وطنية عريقة ومهيكلة. وتعزز ثقة أبناء الأقاليم الجنوبية في قدرة العملية السياسية على الاستجابة لحتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية وطموحاتهم، فرص أبناء الأقاليم الجنوبية في المساهمة في تنمية وطنهم الأم.

ويشهد بذلك الأكاديمي اليوناني، نيكوس ليغروس، بقوله “إن انتخابات اليوم تشكل فرصة جديدة للصحراويين للتصويت بكل حرية، وهي تقدم دليلا على ديمقراطية حقة يعيشها المغرب بمختلف أقاليمه وجهاته”.

وأضاف ليغروس، في أحدث دراسة نشرها حول الصحراء المغربية، “عندما تحاول البوليساريو بكل الوسائل إقناع العالم بأنها تمثل شعبا، فهي تفتقد المصداقية لكونها تتفادى تنظيم أي استشارة انتخابية حتى في المناطق التي تزعم أنها تتواجد بها. في حين أنه في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية بإمكان الصحراويين التصويت بكل حرية ودون أي مخاوف”.

6