المغامرة التركية في سوريا تتيح الفرصة لداعش للعودة إلى أوروبا

ترامب يحمل الأوروبيين مسؤولية تقاعسهم جراء سماحهم بانتقال الآلاف من المقاتلين الأوروبيين لتخريب وتدمير دول في الشرق الأوسط.
الجمعة 2019/10/18
قنابل موقوتة

منذ أن أطلقت أنقرة هجومها في 9 أكتوبر ضد المقاتلين الأكراد في سوريا، يتخوف الأوروبيون الذين شهدوا سلسلة اعتداءات جهادية دامية في السنوات الماضية في باريس وبرلين من فرار الجهاديين المحتجزين لدى الأكراد والبالغ عددهم 12 ألفا بينهم 2500 إلى ثلاثة آلاف أجنبي.

باريس – يشتعل نقاش حاد خرجت بعض أعراضه إلى العلن بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول الآليات الأنجع للتعامل مع مشكلة الآلاف من مقاتلي داعش الذين تعتقلهم قوات سوريا الديمقراطية في سجونها شرق الفرات في سوريا.

ويدور الجدل حول كيفية التعاطي مع ما كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلبه من البلدان الأوروبية لاستعادة مقاتلي التنظيم الإرهابي المنحدرين منها ويحملون جنسياتها. ويُقابل الطلب الأميركي بتخبط أوروبي يُشعل نقاشا قانونيا وسياسيا وأخلاقيا داخل البلدان المعنية. فإذا نجح مقاتلو داعش في الفرار من السجون وإذا ساعدوا التنظيم على تجديد شبكاته، فسيكون خطر وقوع هجوم إرهابي في المستقبل أكبر في أوروبا من الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن كثيرا من الدول الأوروبية، وفي مقدمها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، قد سمحت بعودة العشرات من المقاتلين الأوروبيين مع عائلاتهم إلى بلدانهم داخل الاتحاد الأوروبي في مرحلة أولى، إلا أنه، وبعد تقارير أصدرتها الأجهزة الأمنية الأوروبية، عادت تلك البلدان إلى إقفال الأبواب أمام عودة الدواعش، بسبب ما قيل إنها تمثل خطرا حقيقيا على الأمن الداخلي لتلك الدول.

وكانت أجهزة الأمن المتخصصة في شؤون الإرهاب المشتغلة على تنظيم داعش قد حذرت من أن عودة المقاتلين، حتى من يدّعي منهم الندم والتوبة، تمثل خطرا كامنا، خصوصا أنه ثبت، ومن خلال التجارب السابقة مع الإرهاب الجهادي، أن المقاتلين السابقين يستمرون في تشكيل قوة عقائدية خطيرة، ويتحولون إلى خلايا نائمة يتم تفعيلها وفق توقيت وأجندات لاحقة.

وأوضحت الأجهزة أن عودة المقاتلين من مناطق الصراع في العراق وسوريا ومناطق أخرى إلى بلدانهم الأصل، تشبه عودة ما أطلق عليه اسم “الأفغان العرب” بعد انتهاء الحرب الأفغانية ضد القوات السوفييتية في ثمانينات القرن الماضي، والذين حوّلوا ما راكموه من عقائد وخبرات قتالية باتجاه موجات الإرهاب التي ضربت بلدانا مثل مصر والجزائر وتونس والمغرب وليبيا.

إذا نجح مقاتلو داعش في الفرار من السجون وإذا ساعدوا التنظيم على تجديد شبكاته، سيكون خطر وقوع هجوم إرهابي في المستقبل أكبر في أوروبا منه في الولايات المتحدة

وكان الجدل الأميركي الأوروبي حول مسألة التعامل مع مشكلة الدواعش المعتقلين، قد اشتعل بعد سقوط “دولة” أبوبكر البغدادي في العراق وتهاويها بعد ذلك في سوريا. وعملت الولايات المتحدة عبر أجهزتها الأمنية ومنابرها الدبلوماسية على الضغط على الدول الأوروبية لاستعادة داعشيها.

وحمّل ترامب الأوروبيين مسؤولية تقاعسهم عن القيام بما يفرض عليهم انتهاء الحرب ضد داعش، كما تهربهم من حقيقة أنهم يتحملون قسطا كبيرا من المسؤولية جراء سماحهم بانتقال الآلاف من المقاتلين الأوروبيين لتخريب وتدمير دول في الشرق الأوسط، لاسيما في العراق وسوريا وليبيا.

وكانت تقارير صدرت في بداية ظهور تنظيم داعش في العراق ثم بعد ذلك في سوريا، اتهمت تركيا بأنها تقف وراء فتح الحدود وتسهيل عبور الآلاف من المقاتلين الجهاديين المتقاطرين من دول العالم، لاسيما من البلدان الأوروبية، باتجاه سوريا والعراق.

بيد أن بعض التقارير المستقلة اتهمت أجهزة المخابرات الأوروبية بأنها تتواطأ مع أجهزة المخابرات التركية لتسهيل وصول المقاتلين الأوروبيين المندفعين للالتحاق بتنظيم داعش. وتشتبه هذه التقارير بأن الأجهزة الأوروبية كانت تراقب التواصل الحاصل بين تنظيم داعش والخلايا الأوروبية، وأنه تمّ غض الطرف بشكل مقصود عن الأمر، من ضمن إستراتيجية هدفها التخلص من بؤر الإرهاب في أوروبا والدفع بها باتجاه مناطق الصراع في العالم.

ويسعى الأوروبيون من خلال التحرك الفرنسي إلى إيجاد سبل خلاقة جديدة للتعامل مع مشكلة الداعشيين في الشرق الأوسط على نحو يتسق مع مبادئ العدالة والقانون الدولي، دون الحاجة إلى عودتهم إلى دولهم الأصل.

وتحاول باريس العمل على إقامة محاكم في المنطقة يشارك بها قضاة دوليون تعمل على محاكمة الإرهابيين في البلدان التي ارتكبوا بها إرهابهم. وفيما لا يتيح الوضع السوري، لاسيما في ظل موقف دولي يرفض تعويم نظام الرئيس بشار الأسد وفي ظل الوضع الأمني والعسكري المعقد والمتفجر في هذا البلد، تسليم الدواعش في سوريا إلى محاكم سورية، تعمل فرنسا على مقاربة أوروبية مفادها إقناع العراق بنقل معتقلي داعش إلى السجون العراقية على أن تجرى محاكمتهم وفق القوانين العراقية أو وفق قوانين مختلطة عراقية دولية تتعامل مع هذه السابقة التاريخية في التعامل مع حالات الإرهاب في العالم. غير أن المنطق الأوروبي يواجه بمجموعة من المعوقات.

ميليشيات تركية في سوريا
ميليشيات تركية في سوريا

أولها أن العراق قد يرفض إعادة تصدير المعضلة إلى أراضيه بعد سنوات صعبة قاتل فيها العراقيون للقضاء على تنظيم داعش الذي أعلن عن “دولته” التي “تتمدد” من الموصل في العراق. وتتساءل أوساط عراقية عن حصافة استيراد مجرمين من خارج البلاد لمحاكمتهم على جرم اقترفوه في دول أخرى.

لكن المسألة ليست تقنية قانونية فقط، بل أن لهذه المقاربة محددات سياسية هي التي تؤثر مباشرة على رؤية بغداد. وما تملكه الولايات المتحدة من نفوذ داخل الصف الحاكم في العراق قد يدفع ببغداد إلى رفض المقاربة التي يحملها وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى بغداد، وذلك استجابة للضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية على الأوروبيين لاستعادة داعشييهم ومحاكمتهم داخل أوروبا.

وهناك جانب آخر في مسألة العلاقات الدولية يتعلق بالنفوذ الواسع الذي تملكه إيران في بغداد، على نحو لن يتيح للحكومة العراقية اتخاذ قرار في هذا الشأن دون دعم طهران للمقاربة الأوروبية. وتخلص المصادر إلى أن أمرا كهذا سيتطلب تواصلا أوروبيا مع إيران قد يتعارض مع التوجهات الأميركية العقابية ضد نظام الجمهورية الإسلامية.

غير أن ناشطين في حقوق الإنسان في أوروبا يطالبون بأن تتحمل الدول الأوروبية مسؤوليتها كاملة في تسليط الضوء على هذه الحقبة التي يشتبه بأن قرارا سياسيا أوروبيا كان يرعى قيام الأجهزة الأمنية الأوروبية بتسهيل انتقال المقاتلين الأوروبيين للالتحاق بصفوف داعش. بالمقابل يلاحظ المراقبون غياب وعجز الحكومة العراقية عن المطالبة بالكشف عن الجوانب الخفية داخل هذا الملف والتي من خلاله ساهمت بلدان العالم، خصوصا تلك الأوروبية في تدمير العراق وارتكاب جرائم حرب استهدفت مواطنيه.

7